المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١١١ - أ- أدلة حجية خبر الواحد من الكتاب العزيز
.....
يعذرون) الناس إذا مات العالم أن لا يعرفوا الذي بعده؟ فقال: «أمّا أهل هذه البلدة فلا- يعني: أهل المدينة- و أمّا غيرها من البلدان فنقدر مسيرهم، إنّ الله «عزّ و جل» يقول: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ». (الكافي، ج ١، ص ٣٨٠).
- و منها: رواية عبد المؤمن الأنصاري الواردة في جواب من سأل عن قوله (صلى الله عليه و آله):
«اختلاف أمتي رحمة». قال: «إذا كان اختلافهم رحمة فاتفاقهم عذاب! ليس هذا يراد، إنّما يراد الاختلاف في طلب العلم، على ما قال الله «عزّ و جلّ»: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ».
(وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ١٠٢، معاني الأخبار، ص ١٨).
الحديث منقول بالمعنى، و لا يحضرني ألفاظه.
و جميع هذا هو السرّ في استدلال أصحابنا بالآية الشريفة على وجوب تحصيل العلم و كونه كفائيا.
هذا غاية ما قيل أو يقال في توجيه الاستدلال بالآية الشريفة.
- المقدمة الثانية: في مقام الاستدلال يقال: بأن وجوب الحذر مطلق بمعنى: أن السامع يجب عليه الحذر سواء أفاد قول المنذر العلم أم لا. هذا ما أفادته الآية الكريمة بمعنى: الآية الكريمة تقول: عند ما ينذر المنذر يجب الحذر. و لم تقل إذا أفاد قول المنذر العلم يجب الحذر، و عدم التقييد في الآية يدل على الإطلاق إذ لو أراد التقييد لأبانه و حيث لم يقيد فإنه «عزّ و جل» لم يرده، فتدل الآية حينئذ على الإطلاق فيكون الحذر واجبا سواء أفاد خبر المنذر العلم أم يفد. هذه هي المقدمة الثانية و بها نصل إلى النتيجة و هي: أن قول المنذر في صورة عدم إفادته للعلم و كونه خبرا ظنيا، و هو محل البحث يجب فيه الحذر، و معنى وجوب الحذر هو حجيّة قول هذا المنذر؛ لأنّه لو لم يكن قوله حجة لما وجد معنى لوجوب الحذر. و بذلك يثبت حجيّة خبر الواحد الغير علمي.
إلّا أن الاستدلال بهذه الآية و بهذه الكيفية له عدة اعتراضات:
- الاعتراض الأوّل: قال السيد الشهيد الصدر (قدس سره): «إن وجوب التحذر عند الإنذار لا يكشف عن كون الحذر الواجب بملاك حجية خبر المنذر». و بعبارة أخرى: إن وجوب الحذر عند الإخبار لا يكشف عن حجيّة قول هذا المخبر و ذلك بنكتة الإنذار، فالإنذار يختلف عن الإخبار.
فالإنذار يفترض وجود عقاب في مرتبة سابقة أي: وجود منجز في مرحلة سابقة، أما الخبر العادي الذي نريد أن نثبت تنجيزه بنفس الإخبار أي: نريد أن نثبت حجيته لا يصدق عنوان الإنذار عليه لأنه لا يستتبع عقابا.
و بعبارة أوضح: «الإنذار يختلف عن الإخبار، فالإنذار في حدّ نفسه يفترض وجود عقاب في مرتبة سابقة، و وجود منجّز في مرحلة سابقة، ثم هو يأتي و ينذر بذلك العقاب المفترض سابقا. و المنجزّ سابقا.
فدائما الإنذار لا تكون منجزيّته ناشئة من نفس الإنذار بل منجزيته تفترض في مرحلة سابقة، و هذا معنى الإنذار لغة: ينذر بشيء قد تنجّز سابقا، و لا ينذر بشيء يتنجز بنفس الإنذار.
أمّا الخبر العادي الذي نحن نريد أن نثبت تنجيزه بنفس الأخبار، و نريد أن نثبت الحجيّة له لا الحجيّة الثابتة في مرحلة سابقة هذا لا يصدق عليه الإنذار. فإذا: في كلّ خبر يصدق عليه الإنذار لا بدّ أن نفترض أن مؤدّى الخبر قد تنجّز بمنجّز سابق؛ لا إنه يتنجّز بنفس الإخبار حينئذ: يصدق الإنذار، و ذلك