المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٠٧ - أ- أدلة حجية خبر الواحد من الكتاب العزيز
و الظاهر أن بهذا البيان للآية يرتفع كثير من الشكوك التي قيلت على الاستدلال
هو «النبأ» و إنما هو عبارة عن «الجائي بالنبإ»، و الشرط هو «الفسق»، و المحمول هو «وجوب التبيّن»، فتكون الجملة كالتالي: «إذا كان الجائي بالنبإ فاسقا فتبينوا»، و إذا كان الموضوع هو «الجائي بالنبإ» فهنا حالتان للموضوع تارة: يكون «الجائي بالنبإ فاسقا» و تارة: يكون: «الجائي بالنبإ عادلا»، فكونه فاسقا لا يحقق الجائي بالنبإ يعني: الشرط لا يحقق الموضوع، و على هذا: فالجملة الشرطيّة يكون لها مفهوم، و مفهومها هو: أن «الجائي بالنبإ إذا لم يكن فاسقا فلا يجب التبيّن».
السيد الصدر (قدس سره) في حلقاته قال في المقام: مجرّد إمكان هذه الفرضيّة لا يكفي لتصحيح الاستدلال ما لم يثبت كونها هي المستظهرة عرفا من الآية.
الثاني: المناقشة الثانية في الاستدلال هو: أن يدعى وجود تعارض بين المفهوم، و بين عموم التعليل.
فالآية الشّريفة حينما تقول: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا يعلل هذا المطلب بهذا التعليل و هو (لئلا تصيبوا قوما بجهالة). و الظاهر أن المراد بالجهالة هو الجهل و هو عدم العلم. فالآية منطوقا تقول: لا يجوز العمل بخبر الفاسق بمجرد وروده «لئلا تصيبوا قوما بجهالة العمل بخبر الفاسق»؛ لأنّه لما كان عملا بجهل فمن المحتمل أن تصيبوا قوما. فإذا: باعتبار العلّة نقول: بأنه لا يجوز العمل بخبر الفاسق لاحتمال إصابة قوم بجهل.
- فيقال: بأن العلّة كما تخصص تعمم. و هذا مفروغ منه عند الأصوليين، فالدليل تارة: يرد غير معلل فلا بدّ من الاقتصار عليه و الجمود عليه، و تارة: يرد معلّلا فيقال مثلا: لا تأكل الرّمان لأنه حامض فيقال: أن هذه العلة «لأنّه حامض» كما تخصص من جهة تعمم من جهة بمعنى: أنّ هذه العلة تستوجب اختصاص التحريم بنوع خاص من الرمان، و هو الرمان الحامض، و الرمان الحلو لا يشمله هذا التحريم بقرينة التعليل. و العلّة تعمم من جهة أخرى لأنها تستوجب شمول الحكم لكل حامض، سواء كان رمّانا أو شيئا آخر بخلاف ما إذا قال: لا تأكل الرّمان و سكت. هنا أولا نثبت الحكم لمطلق الرّمان و لا نثبته لغير الرمان. بخلاف ما إذا كان معلّلا لأنّ العلّة تستوجب التخصيص و التعميم.
فقوله: لا تأكل الرمان لأنه حامض يساوي قوله: لا تأكل الحامض. فكأنّ الحرمة منصبّة أساسا على العلة. و في المقام يقال: أن الحكم بوجوب التبيّن في خبر الفاسق معلّل بعلّة و هي احتمال إصابة قوم بجهالة. يقول هذا المستشكل: إن هذه العلّة لا تختص بخبر الفاسق و إنما تشمل كل خبر غير قطعي أي: ظنيّ. أي: كل خبر ظنّي يوجد في العمل به احتمال إصابة قوم بجهالة حتّى لو كان المخبر عادلا.
فاحتمال إصابة قوم بجهالة- الذي هو العلّة لعدم جواز العمل بخبر الفاسق- موجود في خبر العادل أيضا؛ لأن خبر العادل ليس علميا. فمفهوم التعليل يقتضي إسراء الحكم و عدم اختصاصه بالفاسق بل يقتضي إسراءه إلى كل خبر غير علمي بما فيه خبر العادل. فإذا: يقع التعارض بين أمرين:
١- المفهوم المستدل به في المقام الدّال على حجيّة خبر العادل، و عموم التعليل الذي يقتضي عدم حجيّة خبر العادل لأن عموم التعليل يقول: صحيح أن المذكور في الآية هو خبر الفاسق لكن العلة التي ذكرت لعدم حجيّة خبره سارية و شاملة لخبر العادل. فحينئذ يقال: بأننا نجعل عموم التعليل قرينة على إلغاء المفهوم؛ لأنّه عند التعارض بين المفهوم، و بين عموم التعليل يقدّم عموم التعليل لأنّه منطوق