بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٦٨ - (المناقشة الخامسة) أن الشواهد التي ذُكرت في الأمر الأول المتقدّم تقريباً لمسلك المشهور فيما هو المراد بلفظي (الحديد والحديدة) الوارديْن في نصوص التذكية لا تقتضي أزيد من عدم كونهما بمعنى الحادّ والحادة، ولا تنفي احتمال أن يكون المراد بهما الآلة المعدّة للفري والقطع على سبيل المجاز في الكلمة؛ بكونها هي المعنى المستعمل فيه اللفظ أو كونها هي المراد الجدّي منه وإن كان المراد الاستعمالي هو نفس المعدن الخاص أو القطعة منه
الحديد والحديدة في نصوص التذكية والذبح هو مطلق الآلات المعدّة للقطع والفري، فإن الموضوع هو الذبح والذكاة، والحكم هو لزوم استخدام الحديد فيه مع الإمكان، فلا يُفهم من ذلك خصوصيّة للحديد بما هو معدن خاص بل المتفاهم عُرفاً أنه جيء به تعبيراً عن الآلات المعدّة للقطع بمناسبة كونها مصنوعة منه عادة، فبدلاً عن استخدام كلمة السكّين مثلاً استخدمت كلمة الحديدة لتكون تعبيراً جامعاً عن كل آلة معدّة للقطع كالسيف والشفرة والموسى والمدية وغيرها.
(أقول): لو كان المذكور في لسان الدليل هكذا: (إذا قطعت أوداجه بحديدة فقد ذكّيته) أو كلاماً من هذا القبيل لكان بالإمكان ادّعاء أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي أن لا يكون خصوصيّة للحديدة بما هو قطعة من المعدن المعروف بل تكون العبرة بالآلة الصالحة للقطع وإن لم تكن من جنس الحديد، من دون عناية بالإعداد للقطع على كل حال فإنه لا موضوعيّة له في النظر العرفي أصلاً.
ولكن المذكور في الأدلّة إنما هو نفي الذكاة بغير الحديدة من الليطة والحجارة ونحوهما مما يصلح للذبح وإن لم يكن معدّاً له، ومعه لا مجال لدعوى عدم الخصوصيّة للحديد وكون العبرة بما يكون صالحاً للقطع والفري.
وبالجملة، إن مناسبة الحكم والموضوع لو كانت تقتضي شيئاً فإنما هو إلغاء خصوصيّة الحديد وكون العبرة بكل ما يصلح للذبح لا كون العبرة بما أُعدّ لذلك، وهذا فيما إذا لم يكن دليل على المنع من الذبح ببعض ما يصلح له من غير الحديد وأما مع ورود النهي عن ذلك فلا يكاد يفهم العُرف عدم خصوصيّة للحديد.
(القرينة الثانية): مقابلة الحديد مع الليطة والمروة والخشبة والعظم ونحوها ما لم يُعدّ للقطع ولا يُذبح بها عادة إلاّ عند الضرورة، فإن هذه المقابلة قرينة عُرفية على أن المقصود بالحديد هو كلّ آلة مُعدّة للقطع وأنه