بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٤٥١ - وواضح من خلال هذهِ النصوص وما يُشابهها أن المعنى الساري في مختلف اشتقاقات هذهِ المادة هو الظلُّ بمعناه المعروف، فالنهي عن التظليل
والظلال ونحو ذلك إنما يدلّ على المنع من التستّر عن أشعة الشمس، وبتعبير أدقّ يدلّ على المنع من أن يكتنّ المحرم بالظلّ ويصنع ما يلقي الظلّ عليه، نعم لا يُنكر أن هذهِ المشتقّات ونحوها قد تستعمل في التستّر من غير الشمس، ولكنّه يبتني على ضرب من العناية والمجاز، وأما ما ذكره ابن فارس من كون مادة (ظلّ) بمعنى ستر شيءٍ لشيء فهو اجتهاد منه كما هو دأبه في محاولة إرجاع معاني الألفاظ من أصل واحد إلى أقلّ ما يمكن من المعاني، ولا يصح الأخذ بهذا النحو من الاجتهادات اللغويّة كما هو واضح.
وأما الشواهد التي ذُكرت من الروايات الشريفة على كون التظليل ونحوه بمعنى أعمّ من التستّر من أشعة الشمس فقد اتضح الجواب عن أولها وهو موثقة عثمان بن عيسى مما تقدّم بيانه عند البحث عن نصوص (الإضحاء) فلاحظ.
وأما الشاهد الثاني وهو مكاتبة الحميري فكون الاستظلال فيها مستعملاً بمعنى مطلق التستّر بقرينة ذكر المطر لا يصلح دليلاً على سعة المعنى الأصلي له، إذ أن الاستعمال أعمّ من الحقيقة.
وأما الشاهد الثالث وهو صحيح ابراهيم بن أبي محمود فلا يبعد أن يكون التظليل فيه من قبيل الفعل المتّخذ من الاسم أي (الظلال)، كما لا يبعد أن يكون لفظ (الظلال) في الشاهد الرابع وهو صحيح محمد بن اسماعيل بن بزيع مستعملاً بمعنى (ما يستظلّ له) وكذلك لفظ (الظلّ) [١] في الشّاهد الخامس وهو الصحيح الآخر لمحمد بن اسماعيل. فيكون مفاد
[١] حكى الراغب في المفردات ص٣٢٥ عن بعض أهل اللّغة مجيء (الظلّ) بمعنى ما يُستظلّ به مستشهداً بقول الشاعر: (لما نزلنا رفعنا ظلّ أخبية) فإنه لا ينصبون الظلّ الذي هو الفيء وإنما ينصبون الأخبية ثم ناقش في هذا الاستشهاد بأنه يجوز أن يكون المقصود رفعنا الأخبية فرفعنا به ظلّها فكأنه رفع الظلّ، ولكن ما ذكره تأويل لا مبرّر له.