بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٣١٠ - ويمكن المناقشة في كلا الأمرين
أما الأمر الأول فتوضيح الحال فيه:
إن لفظ الرواية بحسب المذكور في الفقيه [١] ومعاني الأخبار وبعض مصادر الجمهور هو: ((حفّوا الشوارب)) والمذكور في معظم مصادر الجمهور ((احفوا الشوارب)) .
ويُقرأ الأول بالتشديد من (الحفّ) وفسّر في كلام بعضهم بإزالة الشارب [٢] كقولهم: (حفّت المرأة وجهها إذا أزالت شعره بالخيط)، وفُسّر في كلام بعض آخر بجعل الشارب إلى حفاف الشفّة أي حولها، قال الغزالي: حفّوا الشوارب أي اجعلوها حفاف الشفّة أي حولها، وحفاف الشيء حوله ومنه: (وترى الملائكة حافّين من حول العرش) [٣] .
ولكن هذا اللفظ بكلا تفسيريه لا يخلو من بُعد، فإن (الحفّ) بالمعنى المقتضي لإزالة الشعر يتعدّى إلى منبت الشعر لا إلى الشعر نفسه، فيُقال: (حفّت المرأة وجهها) ولايقال: (حفّت المرأة شعر وجهها) [٤] والمذكور في الحديث: (حفوا الشوارب) والشارب ـ كما تقدّم ـ اسم للشعر لا لمنبته.
هذا بالإضافة إلى أن إزالة الشارب تماماً كإزالة المرأة شعر وجهها
[١] حكى السيد الداماد (اثنا عشر رسالة ج٣ ص١٠٣) عن عدد من نسخ الفقيه (احفوا) واستصوبه.
[٢] لاحظ اثنا عشر رسالة ج٣ ص١٠٣.
[٣] إحياء علوم الدين ج١ ص١٠٤.
[٤] هذا وفق ما ورد في كلمات معظم اللغويين كابن دريد في جمهرة اللغة ج١ ص٦٢ وابن فارس في مقاييس اللغة ج٢ ص١٥، والجوهري في الصحاح ج٤ ص١٣٤٥ وابن سيدة في المحكم ج٢ ص٥٣٩ ولكن حكى الأزهري في تهذيب اللغة ج٤ ص٣ عن الليث قوله: (احتفت المرأة إذا أمرت من يحفّ شعر وجهها نتفاً بخيطين) وقريب منه ما ذكره ابن عباد في المحيط ج٢ ص٣١٩، والظاهر أن الأول أصحّ فقد نصّ ابن سيدة في المحكم ج٢ ص٥٣٩ على أنّ حفّ المرأة واحتفافها مأخوذ من (الحفّ) بمعنى (القشر) ومن المعلوم أن التقشير يتعلّق بما يؤخذ منه القشر ويُزال عنه وليس مثل الإزالة في تعلّقها بما يُزال نفسه لا بمحلّه فتدبر.