بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٩٩ - ١ ـ لمحة من تاريخ صناعة الحديد
من منجمه في هذه النقر ومعه الخشب والأغصان التي توقد لإيجاد النار الكافية لإذابة المعدن واستخلاصه من المواد الغربية المختلطة في خامه، فإذا ذاب المعدن وخلُص من المواد الغريبة التي كانت ممتزجة به عولج معالجة خاصة لتنقيته ولاستخراج فحمه والمواد الأُخرى التي تجعله هشّاً قابلاً للكسر والثلم بسهولة، وقد يُعالج جملة مرّات إن أُريد استعماله في أُمور تستدعي استعمال حديد نقي صافٍ في مثل السيوف الجيدة التي يجب صنعها من هذا الحديد اهـ.
ويوجد في كتب التراث العربي الإسلامي ذكر نوعين للحديد: الذكر والأنيث.
و (الحديد الذكر) هو ـ كما جاء في كتاب العين وغيره ـ أيبس الحديد وأشدّه، ويظهر من ابن منظور في اللسان أنه كان يُطلق عليه الفولاذ أيضاً وهو الذي عُرّف بأنه مصاص الحديد المنقّى من خبثه.
وأما (الحديد الأنيث) فهو حديد ليّن رخو وربما كان يشبه إلى حد بعيد ما يسمّى اليوم بالحديد المطاوع.
وقد ذكر البيروني كلا النوعين قائلاً: والحديد معدن ينقسم إلى صنفين أحدهما ليّن ويسمّى النرماهن ويلقّب بالأنوثة، والآخر صلب يُسمّى الشابرقان ويلقّب بالذكورة لصرامته..، وذكر نظير ذلك الأنطاكي فقال: الحديد منه ذكر وهو الشابرقان والاسطام والفولاذ الطبيعي وهو قليل الوجود، وأنثى وهو النرماهن... ثم قال: ويُتّخذ من أنثاه الفولاذ الكثير الوجود بأن يُعبّأ في البوادق أُتوناً ويُحمى أسبوعاً بأقوى ما يكون من النار ثم يُلقى عليه ما اجتمع من كلّ مرّ كالحنظل والصبر مسحوقاً بالمرائر حتى يداخله ويطفأ.
والذي يتحصّل بملاحظة الشواهد التاريخية أن الحديد الذي كانت تصنّعه العرب وأصحاب الحضارات الأُخرى كالرومان واليونان والفرس والعبرانيين كان على أنواع مختلفة جداً من حيث القوة والصلابة والمتانة