بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٣٩٤ - وعلى ذلك فأقرب ما يُحتمل في تفسير الآية الكريمة وجهان
وفي ضوء ذلك يمكن أن يقال: إن الأمر بالاجتناب عن كثيرٍ من الظن توقّياً من الوقوع فيما هو إثم من الظنون يدلّ على أن الظن الذي يُعدّ إثماً ليس نوعاً مشخّصاً من الظن يتيسّر للمكلّفين تمييزه عمّا عداه وإلاّ لذُكر بمميّزاته ليجتنبوا عنه خاصة، ولم تكن حاجة إلى إعمال الاحتياط بالتجنّب عن كثيرٍ من الظنون تحرّزاً عمّا هو إثم منها بحسب المقدور، بعد أن لم يكن الاجتناب عن الظنّ مطلقاً أمراً مقدوراً كما تقدّم الإيعاز إليه.
وعلى ذلك فأقرب ما يُحتمل في تفسير الآية الكريمة وجهان:
أ ـ أن يكون المقصود بالظن الذي أمر الله بالاجتناب عن كثيرٍ منه هو ظن السوء بالآخرين، ويكون المقصود ببعض الظن الذي هو إثم هو ظن السوء بالبريء من السوء، أي ما كان مخالفاً للواقع وأما المطابق له فلا يكون إثماً.
فمن ظن بغيره أنه ارتكب فاحشةً وكان مرتكباً لها في الواقع لم يكن الظانّ آثماً بخلاف ما إذا لم يطابق الواقع.
وحيث أنه لا يتيسّر للظان الفحص عن حال ظنّه وأنه مطابق للواقع أو لا فإنه يتوقّف في الغالب على التجسّس المنهي عنه أو على نحوه من المحرمات أُمر بالاجتناب عن كثيرٍ من الظن تجنّباً ـ بحسب مقدوره ـ عمّا هو إثم منه.
ب ـ أن يكون المقصود بالظن الذي أمر بالاجتناب عن كثيرٍ منه هو ظن السوء أو الأعم منه ومن ظن الخير، ويكون المقصود بما هو إثم خصوص الظن الذي ينشأ من اتصاف صاحبه ببعض الصفات الذميمة ويستند إلى الغرائز والعواطف غير العالية، فإن هذا الظن إثم وإن كان ظن خيرٍ، فمن ظنّ بأحدٍ خيراً ـ مع ما يلاحظه من إمارات الشر على تصرفاته ـ تأثراً بروابطه الشخصية ومصالحه الوقتية ونحو ذلك فهو من ظنّ الإثم كما أن ظن السوء بالغير الناشىء من مثل هذه المبادىء هو ظن إثم بقطع النظر عن مطابقته للواقع وعدمها.