بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٣٨٦ - (أقول) أما صحيح أبي بصير فلا دلالة فيه على عدم تشريع شيءٍ من الأحكام العملية في صدر البعثة، بل أقصى ما يُشير إليه هو عدم تبليغ أبي ذر رضي الله عنه بشيءٍ منها وهو أعمّ من ذلك، إذ لعلّه كان رعاية للتدرّج في التبليغ
(أقول): أما صحيح أبي بصير فلا دلالة فيه على عدم تشريع شيءٍ من الأحكام العملية في صدر البعثة، بل أقصى ما يُشير إليه هو عدم تبليغ أبي ذر رضي الله عنه بشيءٍ منها وهو أعمّ من ذلك، إذ لعلّه كان رعاية للتدرّج في التبليغ.
وأما خبر محمد بن سالم فهو بالإضافة إلى ضعفه سنداً ربما يدلّ على خلاف ما ذكر فإن مقتضى قوله: ((وأنزل نهياً عن أشياء وحذّر عليها ولم يغلظ فيها) أنه لم يكن التكليف في السنوات العشر الأولى من بداية الدعوة في مكة المكرمة منحصراً في النطق بالشهادتين، بل كان هناك بعض الأحكام العملية، أقصى الأمر أنه لم يكن يُشدّد في العمل بها.
ومع الغض عن ذلك أيضاً يصعب الالتزام بنسخ جميع الأحكام الثابتة في الشريعة السابقة على الإسلام بمجرّد بعثة النبي ٦ ، بحيث أن حرمة شرب الخمر والزناء واللواط والسحاق وأكل لحم الخنزير ونحوها من كبائر المحرمات التي تطابقت عليها جميع الشرائع السماوية قد نسخت بمجرّد بعثة النبي ٦ وصار شرب الخمر وفعل الزناء ونحوه مباحاً للناس حتى من آمن منهم بنبيّنا ٦ من أهل الشرائع السابقة، وبقي الحال على هذا المنوال إلى أن شرّع الله تعالى تحريمها من جديد!
ومما يُشير إلى خلاف ذلك خبر أبي بصير عن أبي جعفر ٧ قال: ((ما زالت الخمر في علم الله وعند الله حرام وأنه لا يبعث الله نبياً ولا يرسل رسولاً إلاّ ويجعل في شريعته تحريم الخمر وما حرّم الله حراماً فأحلّه من بعد إلاّ للمضطرّ ولا أحل الله حلالاً ثم حرّمه)) [١] .
وبالجملة لا دليل على نسخ جميع الأحكام العملية للشرائع السابقة على الإسلام بمجرّد مجيء هذه الشريعة المقدسة، نعم التدرّج في التبليغ وفي الإلزام برعاية الأحكام كان معمولاً به كما هو واضح، وعلى ذلك
[١] مستدرك الوسائل ج١٦ ص٢٠٢ ح٧.