بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٣٧٣ - يبقى الإيعاز إلى أن هناك روايات استدلّ بها على الاحتياط ربّما يقال إنّ مفادها لزوم الاعتناء باحتمال التكليف في جميع موارده فلا يبقى معها مجال للبراءة العقلية
ومهما يكن فدلالة هذا الحديث على البراءة ليس بذلك الوضوح، كما مرّ أن سنده لا يخلو عن الإشكال.
ثم أنه لو سُلّم تمامية ما استدلّ به على البراءة الشرعية، إلاّ أنه يمكن أن يقال إنّ البراءة لما كانت مطابقة لحكم العقل على ما تقدّم فالخطاب الشرعي يُعدّ تأكيداً له ولا ينعقد له إطلاق أوسع من دائرة الحكم العقلي وإن لم يكن فيه قيد بحسب المدلول اللغوي، وعلى ذلك فلا يشمل موارد قوة احتمال التكليف من جهة تعاضد القرائن والشواهد أو إحراز أهميّة المحتمل على تقدير ثبوت التكليف وإن لم يكن احتماله قوياً.
ولكن يُلاحظ على هذا بأنه لو ثبت حديث الرفع فإن مقتضى اختصاصه بالأُمة الإسلامية ثبوت خصوصية لهم فيه، ولا يُتصوّر خصوصية في ذلك سوى شموله لجميع موارد احتمال التكليف ما لم يُحرز ثبوته فتأمل.
يبقى الإيعاز إلى أن هناك روايات استدلّ بها على الاحتياط ربّما يقال إنّ مفادها لزوم الاعتناء باحتمال التكليف في جميع موارده فلا يبقى معها مجال للبراءة العقلية.
وأهم تلك الروايات ما تضمّنت الأمر بالتوقّف عند الشبهة، إلاّ أن الموضّح في محلّه أن المراد بالشبهة في جملة منها ما اشتبه فيه الحق بالباطل لا ما اشتبه فيه الحلال بالحرام، كقوله في صحيح جميل: ((الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، إن على كلّ حقٍّ حقيقة وعلى كلّ صوابٍ نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه)) [١] .
وأما ما أريد بالشبهة فيه ما اشتبه الحلال بالحرام كخبر النعمان بن بشير عن رسول الله ٦ قال: ((إن لكل مُلكٍ حِمىً وإن حمى الله حلاله وحرامه والمشتبهات بين ذلك، كما لو أن راعياً رعى إلى جانب الحمى لم
____________
(١) الوسائل ج١٨ ص٨٦ ح٣٥.