بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٢٩٥
فإنه على هذا الوجه يمكن أن يُدّعى حجّية مراسيله مع الواسطة استناداً إلى إطلاق كلام الشيخ والنجاشي، ولا سيّما بملاحظة أن السبب الذي أوجب الإرسال في رواياته كان ـ كما قال النجاشي ـ تلف كتبه أو إصابتها بالرطوبة المانعة من القراءة في الفترة التي قضاها في السجن، وهذا يقتضي وقوع الإرسال فيها على كلا النحوين كما لا يخفى.
ولكن هذا الوجه غير تامٍّ، فإن عمل الأصحاب بمراسيل ابن أبي عمير وسكونهم إليها لا يصلح مستنداً للقول بحجّيتها، بل المستند هو ما ذكره الشيخ قدس سره من أنه من الذين عُرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة، ولتوضيح ذلك مقام آخر.
٢ ـ إن الوجه في معروفيّة ابن أبي عمير بكونه ممّن لا يروي ولا يُرسل إلاّ عن ثقة ـ التي هي الأساس في الاعتماد على مراسيله كما مرّ ـ يُحتمل أن يكون أحد أمرين:
أ ـ قيام نقّاد الطائفة بتتبّع أحاديثه ورواياته واطلاعهم على أنها كلّها مروية عن طريق الثقات.
ب ـ ظهور حاله بمقتضى ما صدر منه من قول أو فعل في الالتزام بعدم الرواية إلاّ عمّن هو ثقة عنده، كما قيل ذلك بشأن عدد من رواة الجمهور، قال ابن حجر: (من عُرف من حاله أنه لا يروي إلاّ عن ثقة إذا روى عن رجلٍ وصف بكونه ثقة عنده كمالك وشعبة والقطان وابن مهدي وطائفة من بعدهم) [١] .
والأمر الأول، وإن كان مستبعداً، إذ لو فرض أنه قد تيسّر لنقّاد الطائفة تتبّع كافة مسانيده والاطلاع على كونها مروية عن طريق الثقات، فكيف تسنّى لهم الاطلاع على وثاقة من روى عنهم في المراسيل؟!
فالمتعيّن هو الأمر الثاني، ولكن أيّاً كان هو الوجه في معروفيّة ابن
[١] لسان الميزان ج١ ص١٥.