بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٢٦٢ - شهرتها ومعروفيتها بل وثق بها لبعض الشواهد والقرائن
شهرتها ومعروفيتها بل وثق بها لبعض الشواهد والقرائن [١] .
[١] يجدر الإشارة إلى أن بعض الباحثين ذكر في معرض تعليقه على ما يظهر من كلام الكليني في مقدمة الكافي من اشتمال كتابه على خصوص الروايات الصحيحة عن الصادقين ( أنه يحتمل أنه أراد بالروايات الصحيحة خصوص ما هي معتبرة الأسانيد لا مطلق ما حصل له الوثوق بها وإن كانت ضعيفة السند.
قال : ولا ينافي ذلك ما يُلاحظ من اشتماله على عدد وافر من الروايات الضعيفة بحسب الأسانيد المدرجة في الكتاب، لأنه يُحتمل أنه كان قد اطلع على أسانيد أُخرى لها معتبرة ولكنه لم يعتن بإيرادها جرياً على ما عُرف من طريقة المتقدّمين من عدم الاعتناء باستقصاء طرق الرواية ولا إيراد خصوص المعتبر منها، بل إيراد بعضها أياً كان لتخرج بذلك عن حدّ الإرسال.
قال : ومن الشواهد على ذلك ما يُلاحظ في مرويات الكليني عن الفضل بن شاذان، فإنه روى جملة منها عن علي بن إبراهيم عن أبيه ومحمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان، في حين روى جملة أُخرى عن محمد بن اسماعيل عن الفضل، مع أن الظاهر أن السند الأول المزدوج هو سنده إلى جميع مرويات الفضل بقرينة ما ذكره الشيخ في مشيخة التهذيبين من أن ما يُبتدأ فيه باسم الفضل بن شاذان فقد رواه بإسناده عن محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن أبيه ومحمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان، مع أن جملة من الروايات التي ابتدأ فيها باسم الفضل مما يوجد في الكافي بالسند الثاني فقط، وهذا يكشف عن أن الشيخ قدس سره قد اطلع على أن الإسناد المزدوج إلى الفضل هو سند الكليني إلى جميع رواياته لا إلى خصوص البعض منها، وبهذا الطريق يمكن تصحيح جميع روايات الفضل بن شاذان المروية في الكافي وإن ناقشنا في وثاقة محمد بن اسماعيل أهـ.
ولكن أصل ما ذكره هذا الباحث غير صحيح ولتوضيح ذلك محلّ آخر، والمقصود هنا الإشارة إلى ما توهّمه ـ تبعاً للشيخ قدس سره ـ من كون (محمد بن اسماعيل) في قول الكليني: (علي بن إبراهيم عن أبيه ومحمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان) عطفاً على قوله: (أبيه) ليكون الطريق إلى الفضل مزدوجاً، مع وضوح أنه عطف على علي بن ابراهيم وأن الطريق مزدوج إلى مَنْ بعد الفضل كابن أبي عمير وصفوان وحماد بن عيسى، والوجه في ذلك:
أولاً: إن ابراهيم بن هاشم معاصر للفضل ومشارك معه في الطبقة ـ إن لم يكن أسبق منه قليلاً ـ فلا يُناسب أن يروي عنه ما رواه بنفسه عمّن يشاركه فيهم من الشيوخ كما هو الحال فيما روي في الكافي بالطريق المزدوج المذكور فإن جميعه مروي عن المشايخ المشتركين لإبراهيم بن هاشم والفضل بن شاذان كابن أبي عمير وصفوان بن يحيى وحماد بن عيسى.
وأيضاً إن لعلي بن إبراهيم طريقاً إلى روايات ابن أبي عمير وصفوان واضرابهما بواسطة واحدة هو والده ابراهيم، فما الذي دعاه إلى روايتها عنهم بواسطتين هما محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان، مع ما يُعرف عن المحدّثين من بالغ اهتمامهم بقلّة الوسائط وقرب الإسناد في نقل الأحاديث؟!
إن قيل: لا محلّ لما ذُكر من الاستبعاد بعد ما يُلاحظ من رواية ابراهيم بن هاشم عن الفضل بن شاذان عن ابن أبي عمير في موضع من التهذيب (ج٧ ص٦ ح١٩) وبعد ما ذكره الشيخ في أواخر مشيخة التهذيبين (التهذيب ج١٠ ص٨٦) من أنه يروي ما ذكره عن الفضل بن شاذان بإسناده عن الحسن بن حمزة العلوي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن الفضل، ويرويه أيضاً عن الشريف الحسن بن أحمد المحمدي عن أبي عبد الله الصفواني عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن الفضل.
قلت : أما المورد الأول المذكور في التهذيب ففيه سهو، منشؤه أن الشيخ قدس سره لاحظ سند الكليني إلى تلك الرواية، وفيه: (علي بن ابراهيم عن أبيه ومحمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً عن ابن أبي عمير) فزاغ بصره الشريف عن كلمة (جميعاً) فاعتقد أن محمد بن اسماعيل عطف على (أبيه) وأنهما معاً واسطة رواية علي بن ابراهيم عن الفضل عن ابن أبي عمير، ولذلك أورد السند على النحو المشار إليه، كما صنع نظير ذلك في المشيخة ص٤٧ وقد مرّ آنفاً. وأما في السندين المذكورين في أواخر المشيخة فإن قوله: (وما ذكرته عن الفضل بن شاذان) وإن كان ظاهراً في الشمول لجميع مرويات الفضل في التهذيب، إلاّ أنه لا يبعد أن يكون نظره الشريف إلى جملة مما أورده في كتاب الفرائض والمواريث خاصة، فإن معظم مروياته في التهذيب مقتبسة من الكافي وقد ذكر سنده إليها قبل ذلك، ولكن فيما أورده في كتاب المواريث ما لم يذكر في الكافي ولا في الفقيه أو أنه قد ذكر فيهما بنحوٍ مختلف عمّا ذكره (لاحظ التهذيب ج٩ ص٣٣١ ح١١٩٢، ص٣٣٨ ح١٢١٧، الكلام المطوّل للفضل في ص٢٥١).
ولذلك فالمظنون قويّاً أنه اعتمد في إيرادها على أحد كتابي الفضل بن شاذان في الفرائض اللذين ذكرهما في الفهرست، وأن ما ذكره من الأسانيد في أواخر المشيخة هي طرقه إلى ذلك الكتاب أو إلى كتب الفضل عامة.
وينبغي أن يُعلم أن الفضل بن شاذان الذي كان أبرز فقهاء الإمامية ومتكلّميهم في عصره والمدافع الجلد عن أُصول المذهب وفروعه لم تكن مؤلّفاته مخصصة لنقل الأحاديث ـ ليستغني معاصره المحدث الكبير ابراهيم بن هاشم عن روايتها عنه ـ بل كانت مشتملة على الاحتجاجات والمناقشات المعمّقة مع أصحاب المذاهب الأُخرى، ويتمثّل ذلك في المقاطع المنقولة عنه في الكتب الأربعة وغيرها، ومن هنا فلا غرو في أن يروي ابراهيم بن هاشم كتب الفضل عنه بالرغم من كونه معاصراً له.
وبالجملة : إن المستغرب هو أن يروي ابراهيم بن هاشم عن الفضل ما رواه من كتب مشايخه ورواياتهم مما رواها ابراهيم نفسه عنهم كما هو الحال بالنسبة إلى كتب ابن أبي عمير وصفوان وحماد ومروياتهم، وأما إن يروي عن الفضل كتبه ومؤلفاته فليس فيه ما يثير الاستغراب ولا ينافي ما تقدّم.
وثانياً : إن الكليني قد عقّب قوله: (عن الفضل بن شاذان) في الطريق المذكور بكلمة (جميعاً) في كثير من الموارد منها على سبيل المثال ج١ ص٤٧ وج٢ ص٧٥ وج٣ ص٢ وج٤ ص٣٤، ج٥ ص٧٣، ج٦ ص٥، ج٧ ص١٠، ج٨ ص١٦٣، وهذا دليل قاطع على أن من يروي عن ابن أبي عمير مثلاً في ذلك الطريق ليس هو الفضل وحده بل معه شخص آخر، وليس هو إلاّ ابراهيم بن هاشم، فأي مجال لتوهّم تعدّد الطريق إلى الفضل لا إلى مَنْ بعده؟!
ومما يزيد الأمر وضوحاً ما يُلاحظ في موارد كثيرة من الكافي من إيراد السند المذكور بتأخير رواية علي بن إبراهيم عن أبيه في الذكر فيقول: (محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان وعلي بن ابراهيم عن أبيه) معقّباً ذلك بكلمة (جميعاً) في بعض الموارد ومن دونها في موارد أُخرى، لاحظ ج١ ص٤٠٩، ج٢ ص٦٦٢، ج٣ ص٦٣، ج٤ ص٢٦٢، ج٥ ص٣٢٠، ج٦ ص١٥٠، ج٧ ص٤، ج٣ ص١٨، ج٥ ص٤٧٨.