بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٢٤٦ - (الجهة الرابعة)
والظاهر أن إحفاء الشارب وإعفاء اللحية من هذا القبيل أيضاً، للنصوص المتضافرة من طرق الفريقين الدالّة على الحثّ عليهما [١] ، فكيف يصحّ أن يُحمل الأمر بهما في هذا الحديث على كونه لمجرد عدم حصول التشبّه بالمجوس وتمييزاً للمسلمين عنهم، بل لعلّه لا يصحّ إطلاق الأمر بهما لهذا الغرض، لأن المسلمين لم يكونوا مخالطين بالمجوس في المدينة المنورة وأطرافها، وإنما كان أعداد محدودة من المجوس يقطنون في القطيف وهجر والبحرين واليمن [٢] ونحوها من المناطق، فلا يتّجه إطلاق الأمر بالإحفاء والإعفاء إذا كان الغرض مجرد تمييز المسلمين عن المجوس فتأمل.
و (ثانياً): إنه ليس فيما ورد في نهج البلاغة في تفسير قوله ٦ : ((غيّروا الشيب ولا تشبّهوا باليهود)) دلالة على أن الأمر بتغيير الشيب كان بمناط عدم التشبّه باليهود تمييزاً للمسلمين في إبّان قلّتهم عن مخالطيهم منهم، بل المذكور فيه مجرد أن الأمر بذلك كان مختصّاً بظرف صدوره حيث كان عدد المسلمين قليلاً.
وهذا يمكن أن يُفسّر بوجهٍ آخر، وهو أن بياض الشعر لما كان في الغالب علامة لكبر السنّ مما يعني ضعف القوى البدنيّة بطبيعة الحال يكون استعمال الخضاب للتستّر على الشيب أمراً مطلوباً مع قلّة عدد المسلمين، لأنه يوهم العدو كثرة الشباب فيهم فيهابهم لذلك، وأما مع ازدياد المسلمين فالعدو يهابهم لكثرتهم وكثرة الشباب فيهم بطبيعة الحال، ولا حاجة معه إلى استعمال الخضاب ليبدو الشيب منهم شباباً.
وهذا الوجه قد أشار إليه ابن أبي الحديد [٣] وهو المناسب لما ورد في عدد من النصوص الخاصة بالخضاب ومنها:
[١] لاحظ الوسائل ج١ ص٤٢١ ـ ٤٢٢، السنن الكبرى ج١ ص٣٦ ـ ١٤٩ وما بعدها.
[٢] لاحظ فتوح البلدان ج١ ص٨٦، ٩٥، ١٠٣، معجم البلدان ج١ ص٣٤٩.
[٣] شرح نهج البلاغة ج١٨ ص١٢٢.