بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٢١١ - المذهب الشافعي
وقد نصّ محمد بن الحسن أن كل مكروه فهو حرام إلاّ أنه لما لم يجد فيه نصّاً قاطعاً لم يُطلق عليه لفظ الحرام [١] ، وروى محمد أيضاً عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقرب، وقد قال في الجامع الكبير: يُكره الشرب في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء، ومراده التحريم.
وأما أصحاب مالك فالمكروه عندهم مرتبة بين الحرام والمباح ولا يطلقون عليه اسم الجواز ويقولون إنّ أكل كل ذي ناب من السباع مكروه غير مباح.
وقال الشافعي في اللعب بالشطرنج أنه لهو شبه الباطل أكرهه ولا يتبيّن لي تحريمه، فقد نصّ على كراهته وتوقّف في تحريمه، فلا يجوز أن يُنسب إليه وإلى مذهبه أن اللعب بها جائز.
ومن هذا أيضاً أنه نصّ على كراهة تزوج الرجل بنته من ماء الزنا، ولم يقل قطّ أنه مباح ولا جائز، والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه الذي أجلّه الله به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم وأطلق لفظ الكراهة لأن الحرام يكرهه الله ورسوله.
فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت فيه في كلام الله ورسوله، ولكن المتأخّرين اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرّم وتركه أرجح من فعله، ثم حمل من حمل منهم كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث فغلط في ذلك [٢] . انتهى كلامه بتصرّف.
[١] في كتاب الأم ج٧ ص٣٢٠: قال أبو يوسف: ما أعظم قول الأوزاعي: هذا حلال من الله، أدركت مشايخنا من أهل العلم يكرهون في الفتيا أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام إلاّ ما كان في كتاب الله عزّ وجل بيّناً بلا تفسير، وحُكي عن إبراهيم النخعي أنه حدّث عن أصحابه أنهم كانوا إذا أفتوا بشيء أو نهوا عنه قالوا: هذا مكروه وهذا لا بأس به، فإما أن نقول: هذا حلال وهذا حرام، فما أعظم هذا.
[٢] أعلام الموقعين ج١ ص٤١ ـ ٤٥.