بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٢١ - ٣ ـ مالك بن أنس (ت١٧٩هـ)
وعلى هذا الأساس فمقتضى الصناعة حمل كلامه الآخر ـ الذي حكاه القرطبي ـ على صورة الاضطرار حملاً للمطلق على المقيد [١] ، فيكون محصّلهما عدم جواز الذبح بالعود وشبهه إلا اضطراراً، وهذا خلاف القول المشهور لدى الجمهور.
٣ ـ مالك بن أنس (ت١٧٩هـ):
فقد ذكر في كتابه الموطأ ـ برواية يحيى بن يحيى ـ تحت عنوان (ما يجوز من الذكاة على حال الضرورة)، بعض الروايات الدالّة على جواز الذبح بالعود والحجر ونحوهما مع فقد الحديدة وآخرها ما تقدّم نقله آنفاً عن سعيد بن المسيب من جواز الذبح بكل ما يقطع عند الاضطرار إليه [٢] .
فيظهر منه أيضاً عدم جواز الذبح بمثل العود والقصبة والحجارة إلا في حال الضرورة، ويناسبه ما حكاه سحنون في المدوّنة قال: قلت لعبد الرحمن بن القاسم: أرأيت الرجل يذبح بالعرشدة أو بالعود أو بالحجر أو بالعظم ومعه السكّين أيجوز ذلك؟ قال: قال مالك: إذا احتاج الرجل إلى الحجر والعظم والعود وما سواه من هذه الأشياء فذبح بها إن ذلك يُجزئه [٣] .
فإن تعليق الاجتزاء بالذبح بالمذكورات على اقتضاء الحاجة له ظاهر في عدم الاجتزاء به مع عدم الحاجة إليه من جهة توفّر مثل السكين والمدية والسيف ونحوها من الحديد.
ولكن حكى الباجي عن ابن كنانة عن مالك أنه قال: الشفرة أحبّ إليّ إذا وجدت فإذا ذُبح مع وجود الشفرة جاز [٤] .
[١] يأتي نظير هذا الحمل في الجمع بين النصوص المروية من طرق الإمامية مع الإشكال عليه ببعض الوجوه والجواب عن الإشكال فلاحظ ص٥٦.
[٢] الموطأ ج١ ص٢٧٥.
[٣] المدوّنة الكبرى ج٣ ص٦٥.
[٤] المنتقى في شرح الموطأ ج٣ ص١١٤، وجاء في الموطأ برواية ابن زياد ص١٣٨ أن مالكاً عقّب على كلام ابن المسيب بقوله: (فكلّ شيء بُضع فلا بأس به من فخارة أو غيرها) ولا يبعد أن يكون مقصوده خصوص صورة الاضطرار كما هو مورد كلام ابن المسيب.