بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ١٩٥ - لمحة تاريخية عن اللحية
وذكر بعض المؤرخين أن الحلاقة أصبحت من خصائص الكنيسة الكاثوليكية للرومان بالرغم من ظهور بعض الاستثناءات في القرنين ١٦ و ١٧ حيث ظهر رجال الدين ملتحين، وكان كهنة الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية ملتحين على الدوام، وقد اعتبرت الكنيسة الشرقية حلاقة اللحية عيباً خطيراً في الرجل عند انفصال الكنيستين الغربية والشرقية في منتصف القرن الحادي عشر.
هذا عن تاريخ إطلاق اللحى وحلقها عند غير العرب والمسلمين.
وأما العرب فكانوا كأكثر الأمم السابقة يكرّمون اللحية وتعدّ عندهم رمز الرجولة وزينتها وسيماء تكريم الرجل وتقديره، وكان إهانة اللحية عندهم من أعظم الإهانات التي لا تُغتفر ويُعدّ تقبيلها من علامات التقدير والاحترام والإجلال، ونتفها أو جزّها أو حلقها إهانة كبيرة تنزل بصاحبها.
وكانوا يعدّون عدم الاكتراث بتسوية اللحية من سيماء الحزن والغيظ أو المرض أو الارتباك وتضعضع الحال، وكان القَسم بها يُعدّ عندهم من الأيمان المغلّظة، وإذا مدّ غريب يده على لحية رجل أكبر منه في المنزلة والدرجة وأقسم بها أو استجار بها وجب على صاحبها الأخذ بقسمه والاهتمام بأمره ومساعدته.
وقد ظلّ إعفاء اللحى وتكريمها عادة مستحكمة لدى العرب بعد تشرّفهم بالإسلام حيث أقرّهم عليها النبي الأعظم ٦ ـ كما سيأتي في النصوص ـ ولعلّه كان انطلاقاً من كونه من سنن نبي الله إبراهيم ٧ الذي أمر نبينا ٦ باتباع ملّته كما قال تعالى: ((ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)) .
وقد ذُكر كونه من سننه ٧ في بعض المصادر التاريخية ونصّ عليه في تفسير علي بن إبراهيم، فقد روى فيه عن العالم ٧ أنّه لما ابتلى الله إبراهيم بكلمات فأتمّهن جعله إماماً للناس: (ثم أنزل عليه الحنيفية وهي الطهارة وهي عشرة أشياء خمسة منها في الرأس وخمسة منها في البدن،