بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ١٨٦ - تمهيد
العزيز، فصنّف أصحاب هذا الاتجاه أحكام الإسلام إلى صنفين: صنف (يؤخذ) لأنه يؤمّن ما يحتاجه الإنسان في الجانب المعنوي من حياته، وهذا الصنف بمنزلة (اللبّ) من الدين، وصنف (يُنبذ) لأنه لا يلائم هذا العصر وهو بمنزلة (القشور) ومنه كثير مما يتعلّق بالزيّ والتجمّل ونحو ذلك.
مع وضوح أن الإسلام ـ بما أنه دين إلهي ـ كلٌّ لا يتجزّأ، وليس فيه لبّ وقشور بل إن جميع تشريعاته وأحكامه جاءت في سياق متكامل لتُصلح دنيا الإنسان وآخرته، ولا يعرف أسرارها وحِكَمها إلاّ علاّم الغيوب، وأنّى يسع العقل البشري أن يُدرك ما وراء كلّ حكمٍ من الأحكام الإلهية من حكمةٍ ومصلحةٍ تمسّ النوع الإنساني.
فالعقل كما لا سبيل له إلى استكشاف الحكم الشرعي بطريق القياس والاستحسان ونحوهما كما أكّد عليه أئمّة أهل البيت : من (إنّ دين الله لا يُصاب بالعقول) [١] كذلك لا طريق له إلى معرفة أن الحكم الكذائي ممّا لا يُلائم العصر الحاضر فينبغي نبذه، لاسيّما مع ما دلّ على أن حلال محمد ٦ حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة [٢] .
ومهما يكن فقد توافق المنحرفون عن النهج الإسلامي الصحيح على نبذ جملة من الأحكام الشرعيّة الخاصّة بالزيّ والتجمّل وغيرهما مما يُسمّى بـ (الشكليّات) إما بدعوى أنها ليست أحكاماً من الدين بما هو دين أو على أساس أنها لا تُشكّل جزءاً مهماً من الدين فيمكن تركها والاقتصار على الالتزام بغيرها.
وقد سيطر هذا النمط من التفكير الخاطىء على عقول الكثيرين طوال عقود من الزمن، وأصبح من لا يوافقهم ولا يجاريهم في ذلك في موضع الاتهام من أدعياء العلم والثقافة بالتخلّف والتزمّت ويتعرّض له عوام الناس بالسخريّة والاستهزاء.
[١] بحار الأنوار ج٢ ص٣٠٣.
[٢] الوسائل ج١٨ ص١٢٤ ح٤٧.