بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ١٨٣ - تمهيد
تمهيد
إن الدين الإسلامي الحنيف لمّا كان نظاماً يتكفّل للبشرية بسعادة الدارين فقد شملت تشريعاته ـ الإلزامية وغير الإلزامية ـ مختلف شؤون الإنسان وعمّت جميع جوانب حياته المعنوية والمادية.
ففي الإسلام إلى جانب الأحكام العبادية والنظم الاجتماعية ونحوهما أحكامٌ وآداب تخصّ الزيّ والتجمّل والملبس والمأكل والمشرب والمسكن وحتى الاستحمام والتنظيف وكيفيّة النوم والاستيقاظ وأمثال ذلك.
وهذا المعنى في أصله من الثوابت التي لا يتطرّق إليها الشكّ، فإنه بالإضافة إلى كونه مدلول الآيات الكريمة والروايات الشريفة مما أطبق عليه علماء الإسلام وتسالم عليه أصحاب مختلف المذاهب الإسلامية، ولم يشذّ عن القبول به أحد ممّن يُعتدّ بقوله من أهل العلم.
ولكن تعالت في العصر الأخير أصوات زعم أصحابها خروج ما يُسمّى بالعرفيات وأضرابها عن حريم التشريع الديني، وأنها من الأمُور الخاضعة للأعراف والتقاليد وللذوق العام والشخصي، ولا علاقة للدين بها ولا مجال لأن يتدخّل في تحديد مسارها.
وكانت البداية في أوائل عصر الانحطاط الفكري للمسلمين، لمّا آذنت شمس حضارتهم بالغروب وتقدّمت أُمم أُخرى ـ ولاسيّما في بلاد الغرب ـ ركب ما يُسمّى بالحضارة الإنسانية، وخطت خطوات واسعة وسريعة في ميادين العلم والصناعة، فقد خطف بريق تقدّمها أبصارَ كثيرٍ من ضعاف التفكير من المسلمين، فاعتقدوا ـ واهمين ـ أنه لا سبيل إلى