العروة الوثقى مع تعاليق بعض الأعاظم - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ٤٠٩ - فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين
أو عملاً غير مالي، فالصلاة والصوم أيضاً ديون لله ولهما جهة وضع، فذمّة المكلّف مشغولة بهما، ولذا يجب قضاؤهما، فإنّ القاضي يفرغ ذمّة نفسه أو ذمّة الميّت، وليس القضاء من باب التوبة، أو من باب الكفّارة، بل هو إتيان لما كانت الذمّة مشغولة به، ولا فرق بين كون الاشتغال بالمال أو بالعمل، بل مثل قوله: لله عليّ أن اُعطي زيداً درهماً، دين إلهي لا خلقي فلا يكون الناذر مديوناً لزيد، بل هو مديون لله بدفع الدرهم لزيد، ولا فرق بينه وبين أن يقول: لله عليّ أن أحجّ أو أن اُصلّي ركعتين، فالكلّ[١] دين الله، ودين الله أحقّ أن يقضى، كما في بعض الأخبار، ولازم هذا كون الجميع من الأصل. نعم إذا كان الوجوب على وجه لا يقبل بقاء شغل الذمّة به بعد فوته لا يجب قضاؤه، لا بالنسبة إلى نفس من وجب عليه ولابعد موته، سواء كان مالاً أو عملاً مثل وجوب إعطاء الطعام لمن يموت من الجوع عام المجاعة، فإنّه لو لم يعطه حتّى مات لا يجب عليه ولا على وارثه القضاء; لأنّ الواجب إنّما هو حفظ النفس المحترمة، وهذا لا يقبل البقاء بعد فوته، وكما في نفقة الأرحام فإنّه لو ترك الإنفاق عليهم مع تمكّنه لا يصير ديناً عليه; لأنّ الواجب سدّ الخلّة، وإذا فات لا يتدارك، فتحصّل: أنّ مقتضى القاعدة في الحجّ النذري إذا تمكّنه وترك حتّى مات وجوب قضائه من الأصل; لأنّه دين إلهي، إلاّ أن يقال بانصراف الدين عن مثل هذه الواجبات، وهو محلّ منع، بل دين الله أحقّ أن يقضى.
وأمّا الجماعة القائلون بوجوب قضائه من الثلث فاستدلّوا بصحيحة ضريس وصحيحة ابن أبي يعفور الدالّتين على أنّ من نذر الإحجاج ومات قبله يخرج من ثلثه، وإذا كان نذر الإحجاج كذلك مع كونه ماليّاً قطعاً فنذر الحجّ بنفسه أولى بعدم الخروج من الأصل، وفيه: أنّ الأصحاب لم يعملوا بهذين الخبرين في موردهما، فكيف يعمل بهما في غيره؟ وأمّا الجواب عنهما بالحمل على صورة كون النذر في حال المرض بناءً على خروج المنجّزات من الثلث، فلا وجه له بعد كون الأقوى خروجها من الأصل، وربما يجاب عنهما بالحمل
[١] . الكليّة تامّة باعتبار أقسام النذر والحجّ الواجب بالأصالة كما يظهر ممّا مرّ وأ مّا محض اشتغال الذمّة المترتّب على التكليف فليس سبباً لاعتبار الدينيّة بل هو حكم عقليّ محض . ( صانعي ) .