الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٦ - خطّة إبراهيم الذكيّة في تحطيم الأصنام
و عشيرته إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ، ما هذه الأشياء التي تعبدونها؟
أليس من المؤسف على الإنسان الذي كرّمه اللّه على سائر المخلوقات، و أعطاه العقل أن يعظّم قطعة من الحجر و الخشب العديم الفائدة؟ أين عقولكم؟
ثمّ يكمل العبارة السابقة التي كان فيها تحقير واضح للأصنام، و يقول: أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ [١].
استخدام كلمة (إفك) في هذه الآية، و التي تعني الكذب العظيم أو القبيح، توضّح حزم و قاطعية إبراهيم عليه السّلام بشأن الأصنام.
و اختتم كلامه في هذا المقطع بعبارة عنيفة فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ إذ تأكلون ما يرزقكم به يوميّا، و نعمه تحيط بكم من كلّ جانب، و رغم هذا تقصدون موجودات لا قيمة لها من دون اللّه، فهل تتوقّعون أنّه سيرحمكم و سوف لا يعذّبكم بأشدّ العذاب؟ كم هو خطأ كبير و ضلال خطير؟! عبارة بِرَبِّ الْعالَمِينَ تشير إلى أنّ كلّ العالم يدور في ظلّ ربوبيته تبارك و تعالى، و قد تركتموه و اتّجهتم صوب مجموعة من الظنون و الأوهام الفارغة.
و جاء في كتب التأريخ و التّفسير، أنّ عبدة الأصنام في مدينة بابل كان لهم عيد يحتفلون به سنويا، يهيّئون فيه الطعام داخل معابدهم، ثمّ يضعونه بين يدي آلهتهم لتباركه، ثمّ يخرجون جميعا إلى خارج المدينة، و في آخر اليوم يعودون إلى معابدهم لتناول الطعام و الشراب.
و بذلك خلت المدينة من سكّانها، فاستغلّ إبراهيم عليه السّلام هذه الفرصة الجيّدة لتحطيم الأصنام، الفرصة التي كان إبراهيم عليه السّلام ينتظرها منذ فترة طويلة، و لم يكن راغبا في إضاعتها.
و حين دعاه قومه ليلا للمشاركة في مراسمهم نظر إلى النجوم فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ.
[١]- في تركيب هذه الجملة ذكر المفسرون احتمالين: الأول: أن (إفكا) مفعول ب ل (تريدون) و (آلهة) بدله، و الآخر: أن (آلهة) مفعول به و (إفكا) مفعول لأجله تقدم للأهمية.