الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٩ - تعلّم من داود
و طبقا لاسلوب القرآن في الإيجاز و التفصيل في ذكر القضايا المختلفة، فإنّ الآيات الآنفة بعد أن تطرّقت بصورة موجزة إلى نعم اللّه على داود، تشرح أنواعا من تلك النعم، قال تعالى: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ [١].
كذلك سخّرنا له مجاميع الطيور كي تسبّح اللّه معه وَ الطَّيْرَ مَحْشُورَةً.
فكلّ الطيور و الجبال مسخّرة لداود و مطيعة لأوامره، و تسبّح معه البارئ عزّ و جلّ، و تعود إليه، كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ.
الضمير (له) يمكن أن يعود على داود، و طبقا لهذا فإنّ مفهوم الجملة ينطبق مع ما ذكرناه أعلاه، و هناك احتمال وارد أيضا و هو أنّ ضمير (له) يعود إلى ذات اللّه الطاهرة، و يعني أنّ كلّ ذرّات العالم تعود إليه و مطيعة لأوامره.
هناك سؤال يطرح، و هو: كيف تردّد الطيور و الجبال صوت التسبيح مع داود؟
اختلف المفسّرون في الإجابة على هذا السؤال، و ذكروا عدّة تفاسير و احتمالات له، منها:
١- قال البعض: إنّ صوت داود الجذّاب كان يتردّد صداه عند ما تصطدم موجاته الصوتية بالجبال فيجذب الطيور إليه (و بالطبع فإنّ هذه لا تعدّ فضيلة كي يتطرّق إليها القرآن المجيد و بشيء من العظمة).
٢- و احتمل البعض الآخر أنّ تسبيحها كان توأما مع صوت ظاهري، مرافقا لنوع من الإدراك و الشعور الذي هو في باطن ذرّات العالم، و طبقا لهذا الاحتمال، فإنّ كلّ موجودات العالم تتمتّع بنوع من العقل و الشعور، و حينما تسمع صوت مناجاة هذا النّبي الكبير تردّد معه المناجاة، ليمتزج تسبيحها مع تسبيح داود عليه السّلام.
٣- و احتملوا أيضا أنّ هذا التسبيح هو التسبيح التكويني الذي ينطق به لسان
[١]- (معه) من الممكن أن تكون متعلّقة بقوله (يسبّحن) و وفقا لهذا فإنّ اقتداء الجبال بداود في التسبيح يوضّح نفس ما جاء في الآية (١٠) من سورة سبأ يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ و يمكن أن تكون (معه) متعلّقة ب (سخّرنا) و في هذه الحالة فإنّ مفهوم العبارة يكون (إنّا سخّرنا له الجبال) و استخدام كلمة (معه) بدلا من (له) إنّما تمّ لتوضيح اشتراكهما في التسبيح.