الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٠ - إبراهيم ذلك العبد المؤمن
الفعل عند ما يأتي بصورة مطلقة و من دون أي قيد أو شرط، فإنّه يعطي معنى عاما، فبهذا تكون البركة شاملة لكلّ شيء، في الحياة، في الأجيال القادمة، في التأريخ، و الرسالة، و في كلّ شيء.
فكلمة (بركة) مشتقّة من (برك) على وزن (درك) و تعني صدر البعير، و عند ما يضع صدره على الأرض يقال (برك البعير).
و تدريجيّا أعطت هذه الكلمة معنى الثبات و بقاء شيء ما، و لهذا يطلق على المكان الذي فيه ماء ثابت و مستقر (بركة) في حين يقال لمّا كان خيره باقيا و ثابتا مبارك.
و من هنا يتّضح أنّ الآية مورد بحثنا تشير إلى ثبات و دوام النعم الإلهيّة على إبراهيم و إسحاق و على اسرتهم، و إحدى البركات التي أنعم اللّه بها على إبراهيم و إسحاق أن جعل كلّ أنبياء بني إسرائيل من ذريّة إسحاق، في حين أنّ نبي الإسلام العظيم هو من ذريّة إسماعيل.
و هذه البركات لا تشمل كلّ أفراد عائلة إبراهيم و عشيرته، و إنّما تشمل- فقط- المؤمنين و المحسنين منهم، إذ تقول الآية في آخرها وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ.
كلمة (محسن) جاءت هنا بمعنى المؤمن و المطيع للّه، و هل يتصوّر أنّ هناك إحسان و عمل حسن أرفع من هذا؟
و (ظالم) جاءت هنا بمعنى الكافر و المذنب.
و عبارة (لنفسه) إشارة إلى الكفر و ارتكاب الذنوب يعدّ أوّلا ظلم للنفس، الظلم الواضح و المكشوف.
فالآية المذكورة أعلاه تجيب اليهود و النصارى الذين افتخروا بكونهم من أبناء الأنبياء، و تقول لهم: إنّ صلة القربى لوحدها ليست مدعاة للافتخار، إن لم ترافقها