الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٩ - مقتطفات من قصّة نوح
أو يسخرون منه وَ يَصْنَعُ الْفُلْكَ وَ كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ. [١] و قد وصل إزعاجهم لنبي اللّه نوح- المعروف بصبره الكبير- و إساءتهم الأدب اتّجاهه و اتّهامه بالجنون إلى درجة لا تطاق، بحيث دعا نوح ربّه بالقول: رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ. [٢] و على أيّة حال، فإنّ مجموع هذه الحوادث السيّئة و أذاهم له كان يحزّ في قلبه الطاهر بشدّة حتّى لحظة وقوع الطوفان، إذ أنقذه اللّه سبحانه و تعالى من قبضة قومه الطغاة، و أزال عنه الكرب العظيم و الغمّ الشديد.
و احتمل بعض المفسّرين أنّ المراد من الْكَرْبِ الْعَظِيمِ هو الطوفان الذي لم ينج منه سوى نوح و أتباعه المؤمنين، و لكن هذا المعنى مستبعد.
و يضيف القرآن الكريم وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ.
أ حقّا أنّ كلّ بني الإنسان الذين يعيشون اليوم على ظهر الكرة الأرضية هم من ذريّة نوح؟ الآية المذكورة أعلاه تصرّح بذلك ..
أم المقصود هو أنّ مجموعة كبيرة من الأنبياء و الأولياء و الصالحين هم من ذريته، و ليس كلّ الناس؟ بهذا الشأن لدينا بحث، سنتطرّق إليه بعون اللّه.
و إضافة إلى ذلك يقول القرآن: أنّنا جعلنا لنوح ثناء و ذكرا جميلا في الأجيال و الأمم اللاحقة: وَ تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ.
فقد وصفه القرآن المجيد بالنّبي المقاوم و الشجاع و الصبور و الرحيم و العطوف، و أطلق عليه لقب شيخ الأنبياء. و تاريخه اسطورة للمقاومة و الثبات، كما يمكن أن يستلهم سالكو طريق الحقّ من برامجه عبرا و دروسا تمكّنهم من اجتياز العراقيل التي يضعها الأعداء و الجهلة أمامهم.
فبعد تحمّله كافّة الصعاب و الآلام، منحه اللّه سبحانه و تعالى و ساما خالدا
[١]- سورة هود، الآية ٣٨.
[٢]- سورة مؤمنون، الآية ٢٦.