الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٧ - سؤال مهمّ
سؤال مهمّ:
و هنا يطرح السؤال التالي، و هو: إن كانت مشيئة الباري عزّ و جلّ و إرادته تقضي بتقديم يد العون للأنبياء و نصرة المؤمنين، فلم نشاهد استشهاد الأنبياء على طول تأريخ الحوادث البشرية، و انهزام المؤمنين في بعض الأحيان؟ فإن كانت هذه سنّة إلهيّة لا تقبل الخطأ، فلم هذه الاستثناءات؟
و نجيب على هذا السؤال بالقول:
أوّلا: إنّ الإنتصار له معان واسعة، و لا يعطي في كلّ الأحيان معنى الإنتصار الظاهري و الجسماني على العدو، فأحيانا يعني انتصار المبدأ، و هذا هو أهمّ انتصار، فلو فرضنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان قد استشهد في إحدى الغزوات، و شريعته عمّت العالم كلّه، فهل يمكن أن نعبّر عن هذه الشهادة بالهزيمة.
و هناك مثال أوضح و هو الحسين عليه السّلام و أصحابه الكرام حيث استشهدوا على أرض كربلاء، و كان هدفهم العمل على فضح بني اميّة، الذين ادّعوا أنّهم خلفاء الرّسول، و كانوا في حقيقة الأمر يعملون و يسعون إلى إعادة المجتمع الإسلامي إلى عصر الجاهلية، و قد تحقّق هذا الهدف الكبير، و أدّى استشهادهم إلى توعية المسلمين إزاء خطر بني اميّة و إنقاذ الإسلام من خطر السقوط و الضياع، فهل يمكن هنا القول بأنّ الحسين عليه السّلام و أصحابه الكرام خسروا المعركة في كربلاء؟
المهمّ هنا أنّ الأنبياء و جنود اللّه- أي المؤمنون- تمكّنوا من نشر أهدافهم في الدنيا و اتّبعهم أناس كثيرون، و ما زالوا يواصلون نشر مبادئهم و أفكارهم رغم الجهود المستمرّة و المنسّقة لأعداء الحقّ ضدّهم.
و هناك نوع آخر من الإنتصار، و هو الإنتصار المرحلي على العدو، و الذي قد يتحقّق بعد قرون من بدء الصراع، فأحيانا يدخل جيل معركة ما و لا يحقّق فيها أي انتصار، فتأتي الأجيال من بعده و تواصل القتال فتنتصر، كالانتصار الذي حقّقه المسلمون في النهاية على الصليبيين في المعارك التي دامت قرابة القرنين، و هذا