الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩ - و ما يستوي البحران!!
إثارة للدهشة. فأين الثرى من الثريّا .. أين ذلك التراب الميّت الجامد من الإنسان الحي العاقل الفطن المبتكر؟! و أين تلك النطفة الحقيرة التي تتكوّن من بضع قطرات من الماء المتعفّن من ذلك الإنسان الراشد الجميل و المجهّز بالحواس و الأجهزة العضوية المختلفة [١].
بعد هذه المرحلة، تأتي مرحلة تقسيم النوع البشري إلى جنسين «المذكّر» و «المؤنّث» بالفروقات الكثيرة في الجسم و الروح، و الأمور الفسلجية التي تبدأ بالتحدّد منذ اللحظات الاولى لانعقاد النطفة، و اتّخاذ مسيرها الخاص و التكامل في كلّ جنس باتّجاه الرسالة التي انيطت به.
ثمّ تظهر مسألة رسالة الامّ في قبول و تحمّل ذلك الحمل و حفظه و تغذيته و تربيته و التي حيّرت العلماء لقرون طويلة، حتّى اعترفوا بأنّها من أعجب مسائل الوجود.
و آخر مرحلة في هذا المسير هي مرحلة الولادة، و هي مرحلة تحوّل كامل تقترن بعجائب كثيرة.
فما هي العوامل التي تدفع الجنين إلى الخروج من بطن امّه؟
كيف يتمّ التنسيق بين هذا الأمر و بين إعداد جسم الامّ لتحقّق ذلك الأمر؟
كيف يتمكّن الجنين بعد تعوّده على وضع ما لمدّة تسعة أشهر، أن يلبس وضعا جديدا و يطبّق كلّ مفرداته الجديدة بلحظة واحدة، ففي لحظة واحدة يقطع صلته بامّه، و يتنفّس الهواء الطلق! يتناول طعامه من فمه بدلا من الحبل السرّي! يخرج إلى محيط غارق في النور و الإشراق بدلا من محيط بطن امّه المظلم؟! أ ليست هذه أعظم الدلائل على قدرة اللّه و علمه اللامحدودين؟
و هل أنّ هذه المادّة الجامدة الميتة و هذه الطبيعة غير الهادفة يمكنها أن تنظّم
[١]- «نطفة» كما ذكرنا سابقا، في الأصل بمعنى «الماء» أو بالأخصّ «الماء القليل الصافي» ثمّ أطلقت لهذا السبب على الماء القليل الذي هو مبدأ انعقاد الجنين.