الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٦ - استكبارهم و مكرهم سبب شقائهم
ثابت، لا يقبل التبديل و لا التحويل [١].
آخر ما نريد التوقّف عنده هو أنّ الآية تضيف «سنّة» إلى لفظ الجلالة «اللّه» و في موضع آخر من نفس الآية تضيف «سنّة» إلى «الأوّلين» و يظهر في بادئ الأمر وجود تنافي بين الحالتين، و لكن الأمر ليس كذلك، لأنّه في الحالة الاولى أضيفت «سنّة» إلى «الفاعل»، و في الحالة الثانية أضيفت «سنّة» إلى «المفعول به».
ففي الحالة الاولى تعبير عن مجري السنّة، و في الثانية عمّن أجريت عليه السنّة.
الآية التالية تدعو هؤلاء المشركين و المجرمين إلى مطالعة آثار الماضين و المصير الذي وصلوا إليه، حتّى يروا بأمّ أعينهم في آثارهم و مواطنهم السابقة جميع ما سمعوه، و بذا يتحوّل البيان إلى العيان. فتقول الآية الكريمة: أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.
فإذا كانوا يتصوّرون أنّهم أشدّ قوّة من أولئك فهم على اشتباه عظيم تلك، لأنّ الأقوام السالفة كانت أقوى منهم: وَ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً.
فالفراعنة الذين حكموا مصر، و نمرود الذي حكم بابل و دولا اخرى بمنتهى القدرة، كانوا أقوياء إلى درجة لا يمكن قياسها مع قوّة مشركي مكّة.
إضافة إلى أنّ الإنسان مهما بلغ من القوّة و القدرة، فإنّ قدرته و قوّته لا شيء إزاء قوّة اللّه، لماذا؟ لأنّه وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ [٢] فهو العليم القدير، لا يخفى عليه شيء، و لا يستعصي على قدرته شيء، و لا يغلبه أحد، فلو تصوّر هؤلاء المستكبرون الماكرون أنّهم يستطيعون
[١]- جمع من المفسّرين فسّروا «تحويل» هنا بمعنى «نقل مكان العذاب» بمعنى أنّ اللّه سبحانه و تعالى ينقل عقوبته من شخص لينزلها على شخص آخر. و مع ملاحظة أنّ هذا التّفسير لا ينسجم على ما يبدو مع الآية أعلاه، فالحديث ليس عن نقل العذاب من شخص إلى آخر، بل عن عدم قبول السنن للزيادة و النقص أو التغيير و التبديل، فكأنّ هؤلاء المفسّرين خلطوا بين كلمتي «تحوّل» و «تحويل»، و قد ورد في بعض متون اللغة كمجمع البحرين «التحويل: تصيير الشيء على خلاف ما كان. و التحوّل: التنقّل من موضع إلى موضع».
[٢]- جملة «ليعجزه» كما ذكرنا سابقا من مادّة «عجز» و هي هنا بمعنى: يجعله عاجزا، لذا ففي كثير من المواضع جاءت بمعنى الفرار من قدرة اللّه، أو بمعنى عدم التمكّن من شخص.