الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٧ - التّفسير
بعد استعراضنا لأشكال القمر و منازله يتّضح تماما معنى الجملة التالية حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [١].
و في الحقيقة فإنّ الشبه بين العرجون و الهلال من جوانب عديدة: من ناحية الشكل الهلالي، و من ناحية اللون الأصفر، و الذبول، و إشارة الأطراف إلى الأسفل، و كونه في وسط دائرة مظلمة تكون في حالة العرجون منسوبة إلى سعف النخل الأخضر، و بالنسبة للهلال منسوبة إلى السماء المظلمة.
و الوصف ب (القديم) إشارة إلى كون العرجون عتيقا، فكلّما مرّ عليه زمن و تقادم أكثر أصبح ضعيفا و ذابلا و اصفّر لونه و أصبح يشبه الهلال كثيرا قبل دخوله المحاق.
و سبحان اللّه فقد تضمّن تعبير واحد قصير كلّ تلك الظرافة و الجمال؟
الآية الأخيرة من هذه الآيات، تتحدّث عن ثبات و دوام ذلك النظم في السنين و الشهور، و النهار و الليل، فقد وضع اللّه سبحانه و تعالى لها نظاما و برنامجا لا يقع بسببه أدنى اضطراب أو اختلال في وضعها و حركتها، و بذا ثبت تاريخ البشر و انتظم بشكل كامل، تقول الآية: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ.
من المعلوم أنّ الشمس تطوي في دورانها خلال العام الأبراج الإثني عشر، في حين أنّ القمر يطوي منازله خلال شهر واحد، و عليه فحركة القمر أسرع من حركة الشمس في مدارها اثنتي عشرة مرّة، لذا فإنّ الآية تقول بأنّ الشمس بحركتها لا يمكنها أن تدرك القمر في حركته فتقطع في شهر واحد ما تقطعه في سنة واحدة.
و بذا يختلّ النظام السنوي لها.
[١]- «عرجون» كما قال أغلب المفسّرين و أهل اللغة: من الانعراج و هو الاعوجاج و الانعطاف، و عليه فالنون زائدة و هو على وزن فعلون، و يعتقد آخرون أنّه مأخوذ من «عرجن» فالنون ليست زائدة، و بمعنى: أصل عنقود الرطب المتّصل بالنخلة، و توضيح ذلك أنّ الرطب يظهر على شكل عنقود من النخلة، و أصل ذلك العنقود يكون على شكل مقوّس أصفر اللون يبقى معلّقا في النخلة، و «قديم»: بمعنى العتيق الذي مضى زمنه.