الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٧ - هل نبعث من جديد؟
فهل تتصوّرون أنّ عمليّة إحيائكم و الأوّلين تعدّ مستحيلة، أو هي عمل عسير على اللّه القادر و القوي؟ كلّا، فإنّ صرخة عظيمة واحدة ممّن كلّفهم اللّه سبحانه و تعالى بذلك كافية لبعث الحياة بمن في القبور، و نهوض الجميع فجأة من دون أيّ تمهيد أو تحضير من قبورهم ليشاهدوا بأعينهم ساحة المحشر التي كانوا بها يكذّبون فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ.
(زجرة) مشتقّة من (زجر) و كما أشرنا إليها سابقا، فإنّها تعني الطرد، و أحيانا تأتي بمعنى الصرخة، و هنا تفيد المعنى الثاني، و هي إشارة إلى النفخة و الصيحة الثانية لإسرافيل، و التي سنتحدّث بشأنها في الآيات الأخيرة لسورة الزمر.
عبارة (ينظرون) تشير إلى نظر منكري البعث لساحة المحشر و هم مدهوشون، أو النظر بعنوان انتظار العذاب، و في كلا الحالتين فإنّ المقصود ليس- فقط- عودتهم إلى الحياة، و إنّما عودتهم إلى الشعور و النظر فور سماعهم الصيحة.
و تعبير زَجْرَةٌ واحِدَةٌ مع الالتفات إلى معنى الكلمتين، يشير إلى أنّ البعث يتمّ بسرعة و على حين غرّة، و إلى سهولته في مقابل قدرة الباري عزّ و جلّ، إذ بصرخة واحدة (لملك البعث) المأمور بها تعود الحياة إلى حالتها الاولى.
و هنا تتعالى صرخات المشركين المغرورين و تبيّن ضعفهم و عجزهم و عوزهم، و يقولون: الويل لنا فهذا يوم الدين وَ قالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ.
نعم، فعند ما تقع أعينهم على محكمة العدل الإلهي و شهودها و قضاتها، و على علامات العقاب فإنّهم- من دون أن يشعروا- يصرخون و يبكون، و يعترفون بحقيقة البعث، الاعتراف الذي يعجز عن إنقاذهم من العذاب، أو تخفيف العقاب الذي ينتظرهم.
و هنا يوجّه إليهم الخطاب من الباري عزّ و جلّ أو من ملائكته: نعم، اليوم هو
تقديرية هي جوابها، و البقيّة شيء إضافي عليها كي يكتسب القول قاطعية أكثر، فالتقدير سيكون هكذا (نعم إنّكم مبعوثون حال كونكم داخرين).