الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٥ - ٢- هل أنّ الموتى واقعا لا يدركون؟
و قد استندت جماعة من الوهّابيين المعروفين بجمودهم الفكري على هذا التوهّم الباطل، و بالتمسّك بظواهر الآيات القرآنية، دون الاهتمام بمحتواها العميق، أو الالتفات إلى الأحاديث الشريفة الكثيرة الواردة في هذا المجال، سعوا إلى نفي و ردّ مفهوم «التوسّل» و إثبات بطلانه.
الجواب على هذا السؤال أيضا يتّضح ممّا ذكرناه كمقدّمة في الإجابة على السؤال الأوّل، من أنّ التعامل مع الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أولياء اللّه يختلف عنه مع الآخرين، فهؤلاء كالشهداء (بل إنّهم يحتلّون الصفّ الأوّل أمام الشهداء) و هم أحياء و خالدون، و هم مصداق لقوله: أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، و بأمر من اللّه فإنّهم يحتفظون بارتباطهم بهذا العالم، كما أنّهم يستطيعون و هم في هذه الدنيا أن يتّصلوا بالموتى- كما في حالة قتلى بدر-.
تنادا إلى ذلك نقرأ في روايات كثيرة وردت في كتب الفريقين أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأئمّة عليهم السّلام يسمعون سلام من يسلّم عليهم سواء كان قريبا أو بعيدا، بل إنّ أعمال الامّة تعرض عليهم [١].
الجدير بالملاحظة أنّنا مأمورون بالسلام على الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في التشهّد الأخير للصلوات اليومية، و هذا إعتقاد المسلمين عامّة، أعمّ من كونهم شيعة أو سنّة، فكيف يمكن مخاطبة من لا يمكنه السماع أصلا؟
كذلك
وردت روايات متعدّدة في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري و أبي هريرة، عن الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: «لقّنوا موتاكم لا إله إلّا اللّه» [٢].
كذلك وردت الإشارة في نهج البلاغة إلى مسألة الارتباط مع أرواح الموتى، فعند ما كان أمير المؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليه قال راجعا من صفّين أشرف
[١]- كشف الارتياب، ص ١٠٩- كذلك فقد أشرنا إلى روايات (عرض الأعمال) عند تفسير الآية (١٠٥) من سورة التوبة- راجع المجلّد السادس من هذا التّفسير.
[٢]- صحيح مسلم، كتاب الجنائز، حديث ١ و ٢ (المجلّد ٢، صفحة ٦٣١).