الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٨ - ربّنا أخرجنا نعمل صالحا!
و تنتقل الآية التالية إلى وصف نوع آخر من العذاب الأليم، و تشير إلى بعض النقاط الحسّاسة في هذا الخصوص، فتقول الآية الكريمة: وَ هُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [١].
نعم، فهم بمشاهدة نتائج أعمالهم السيّئة، يغرقون في ندم عميق، و يصرخون من أعماق قلوبهم و يطلبون المحال، العودة إلى الدنيا للقيام بالأعمال الصالحة.
التعبير ب «صالحا» بصيغة النكرة إشارة إلى أنّهم لم يعملوا أقلّ القليل من العمل الصالح، و لازم هذا المعنى أنّ كلّ هذا العذاب و الألم إنّما هو لمن لم تكن لهم أيّة رابطة مع اللّه سبحانه في حياتهم، و كانوا غرقى في المعاصي و الذنوب، و عليه فإنّ القيام بقسم من الأعمال الصالحة أيضا يمكن أن يكون سببا في نجاتهم.
التعبير بالفعل المضارع «نعمل» أيضا له ذلك الإشعاع، و يؤيّد هذا المعنى، و هو تأكيد أيضا على «أنّنا كنّا مستغرقين في الأعمال الطالحة».
قال بعض المفسّرين: إنّ الربط بين وصف «صالحا» و اللاحق لها «كنّا نعمل» يثير نكتة لطيفة، و هي أنّ المعنى هو «إنّنا كنّا نعمل الأعمال التي عملنا بناء على تزيين هوى النفس و الشيطان، و كنّا نتوّهم أنّها أعمال صالحة، و الآن قرّرنا أن نعود و نعمل أعمالا صالحة في حقيقتها غير التي ارتكبناها».
نعم فالمذنب في بادئ الأمر- و طبق قانون الفطرة السليمة- يشعر و يشخص قباحة أعماله، و لكنّه قليلا قليلا يتطبّع على ذلك فتقل في نظره قباحة العمل، و يتوغّل أبعد من ذلك فيرى القبيح جميلا، كما يقول القرآن الكريم: زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ [٢].
و في مكان آخر يقول تعالى: وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً. [٣]
[١]- «يصطرخون» من مادّة «صرخ» بمعنى الصياح الشديد الذي يطلقه الإنسان من القلب للاستغاثة و طلب النجدة، للتخلّص من الألم أو العذاب أو أي مشكل آخر.
[٢]- التوبة، ٣٧.
[٣]- الكهف، ١٠٤.