الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢١ - يوم تسكت الألسن و تشهد الأعضاء!!
فقد بعث إليكم الأنبياء واحدا بعد واحد، و حذّروكم من مثل هذا اليوم و من مثل هذه النار، و لكنّكم لم تأخذوا أقوالهم إلّا على محمل السخرية و الاستهزاء اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [١].
ثمّ يشير تعالى إلى شهود يوم القيامة ... الشهود الذين هم جزء من جسد الإنسان، حيث لا مجال لإنكار شهادتهم، فيقول تعالى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.
نعم ففي ذلك اليوم لا تكون أعضاء الإنسان طوع إرادته و ميوله، فهي بأجمعها تتخلّى عن امتثال أمره و تستسلم لأمر اللّه سبحانه، و يا لها من محكمة عجيبة تلك المحكمة التي شهودها نفس أعضاء الإنسان. تلك الأعضاء التي كانت الوسائل لارتكاب المعاصي و الذنوب.
و يحتمل أن تكون شهادة الأعضاء، بسبب أنّ المجرمين حينما يرون بأنّهم سيصلون جهنّم جزاء أعمالهم، يميلون إلى إنكار ما ارتكبوا ظنّا منهم أنّه يمكن الإفلات بإخفاء الحقائق و الإنكار، إلّا أنّ الأعضاء تبدأ هنا بالشهادة، الأمر الذي يثير عجب أولئك المجرمين و وحشتهم و يغلق عليهم جميع طرق الفرار و الخلاص.
أمّا عن كيفية نطق تلك الأعضاء، فثمّة تفسيرات و احتمالات عديدة:
١- إنّ اللّه سبحانه و تعالى يجعل في كلّ واحد من تلك الأعضاء القدرة على التكلّم و الشعور، و هي تقوم بنقل الحقيقة بصدق، و ما هو العجب في ذلك؟ فمن جعل في قطعة من اللحم المسمّاة «لسان» أو «مخ الإنسان» القدرة على النطق، يستطيع أن يجعل هذه القدرة في سائر أعضاء البدن أيضا.
٢- أنّ تلك الأعضاء لا تعطي الإدراك و الشعور، و لكن اللّه سبحانه و تعالى ينطقها، و في الحقيقة فإنّ تلك الأعضاء ستكون محلا لظهور الكلام، و انكشاف
[١]- «اصلوها» من (صلا) أصل الصّلي إيقاد النار، و يقال صلي بالنار و بكذا، أي بلي بها و اصطلى بها.