الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦ - شرح برهان الإمكان و الوجوب «الفقر و الغنى»
فقط؟ بينما جميع الموجودات تشترك في هذا الفقر؟
و الجواب: إذا كان الإنسان- الذي يعتبر سيّد المخلوقات- غارقا في الحاجة و الفقر إلى اللّه، فإنّ حال بقيّة الموجودات واضحة، و بتعبير آخر فإنّ بقيّة الموجودات تشترك مع الإنسان في الفقر الذي هو «إمكان الوجود».
و تخصيص الحديث في الإنسان إنّما هو لأجل كبح جماح غروره، و إلفات نظره إلى حاجته إلى اللّه في كلّ حال، و في كلّ شيء و كلّ مكان، ليكون ذلك أساس الصفات الحسنة و الفضائل و الملكات الأخلاقية، ذلك الالتفات الذي يؤدّي إلى التواضع و ترك الظلم و الغرور و الكبر و العصبية و البخل و الحرص و الحسد، و يبعث على التواضع أمام الحقّ.
و لتأكيد هذا الفقر و الحاجة في الإنسان يقول تعالى في الآية التالية: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ.
و عليه فهو سبحانه و تعالى ليس بحاجة إليكم أو إلى عبادتكم، و إنّما أنتم الفقراء إليه.
و هذه الآية شبيهة بما ورد في الآية (١٣٣) من سورة الأنعام حيث يقول تعالى:
وَ رَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ.
فهو تعالى ليس محتاجا لطاعتكم و لا خائفا من معصيتكم، و في نفس الوقت فإنّ رحمته الواسعة تشملكم جميعا، و لا ينقص من عظمته شيئا ذهاب العالم بأسره، كما أنّ خلق هذا العالم لا يضيف إلى مقام كبريائه شيئا.
و في الآية الثالثة أيضا يعود التأكيد مرّة ثانية فيقول تعالى: وَ ما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ نعم، فإنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، و هذا يصدق على جميع عالم الوجود.
على كلّ حال، فإنّه تعالى إذا أمركم بالإيمان و الطاعة و العبادة فإنّما ذلك