الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٩ - لا عجب من عدم إيمان
أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً إشارة إلى أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يقوم بهذا العمل من عند نفسه، و إنّما هو مأمور من قبل اللّه تعالى.
و إذا كانت الآية السابقة قد ركّزت على الإنذار فقط، فلأنّ الحديث كان حول الجاهلين المعاندين الذين هم كالأموات المقبورين الذين لا يتقبّلون أي حديث، أمّا هذه الآية فإنّها توضّح بشكل كامل، وظيفة الأنبياء الثنائية الهدف «البشارة» و «الإنذار»، مؤكّدة في آخرها من جديد على «الإنذار» لأنّ الإنذار هو القسم الأساس من دعوة الأنبياء في قبال المشركين و الظلمة.
«خلا»: من (الخلاء) و هو المكان الذي لا ساتر فيه من بناء و مساكن و غيرهما، و الخلوّ يستعمل في الزمان و المكان، و لأنّ الزمان في مرور، قيل عن الأزمنة الماضية «الأزمنة الخالية» لأنّه لا أثر منها، و قد خلت الدنيا منها.
و عليه فإنّ جملة وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ بمعنى أن كلّ امّة من الأمم السالفة كان لها نذير.
و الجدير بالملاحظة، طبقا للآية أعلاه، أنّ كلّ الأمم كان فيها نذير إلهي، أي كان فيها نبي، مع أنّ البعض تلقّي ذلك بمعنى أوسع، بحيث يشمل العلماء و الحكماء الذين ينذرون الناس أيضا، و لكن هذا المعنى خلاف ظاهر الآية.
على كلّ حال، فليس معنى هذا الكلام أن يبعث في كلّ مدينة أو منطقة رسول، بل يكفي أن تبلّغ دعوة الرسل و كلامهم أسماع المجتمعات المختلفة، إذ أنّ القرآن يقول: خَلا فِيها نَذِيرٌ و لم يقل «خلا منها نذير».
و عليه فلا منافاة بين هذه الآية التي تقصد وصول دعوة الأنبياء إلى الأمم، مع الآية (٤٤) من سورة سبأ و التي تقول: وَ ما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ و التي يقصد منها كون المنذر منهم.
و يضيف تعالى في الآية التالية: وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فلا عجب من ذلك، و لا تحزن بسبب ذلك، لأنّه فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَ بِالزُّبُرِ