الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٦ - ٦- الحجّ عبادة مهمّة تبني الإنسان
العبادة؟
إلّا أنّنا عند ما نتذكّر إيثار إبراهيم عليه السّلام الذي أراد ذبح أعزّ أعزّائه و أطيب ثمار عمره (إسماعيل) في تلك الأرض في سبيل اللّه، العملية التي غدت سنّة فيما بعد و بعنوان ذبح الأضاحي في منى، ندرك فلسفة هذا العمل.
فالذبح إشارة إلى اجتياز كلّ شيء في سبيل التوجّه إلى اللّه، و هو مظهر لإخلاء القلب من كلّ شيء عدا ذكر اللّه، و يمكن استمداد التربية الكافية من هذه المناسك، إذا تجسّد لنا مشهد ذبح إسماعيل، و معنويات الأب و ابنه إسماعيل أثناء عملية الذبح، و هذا المشهد يجعل معنويات الإنسان تسطع بأنوارها [١].
أمّا أثناء توجّهنا إلى رمي الجمرات (و هي ثلاثة أعمدة مبنية من الحجر يرميها الحجّاج أثناء تأديتهم لمراسم الحجّ، و في كلّ مرّة يرمون سبعة أحجار عليها وفق مراسم خاصّة) فيتبادر إلى أذهاننا السؤال التالي: ماذا يعني رمي هذا المقدار من قطع الحجارة على عمود من الحجر لا روح فيه؟ و أي مشكلة سيحلّ هذا العمل؟
إلّا أنّنا عند ما نتذكّر أنّها تمثّل جهاد الموحّد إبراهيم ضدّ وساوس الشيطان الذي ظهر له ثلاث مرّات في الطريق، و هو مصمّم على أن يثني إبراهيم عن عزمه في ساحة الجهاد الأكبر، و كلّما ظهر له رماه بالحجر، فإنّ محتوى هذه الشعيرة يتوضّح أكثر.
فمعنى هذه الشعيرة هو أنّكم طوال فترة عمركم تعيشون في ساحة الجهاد الأكبر ضدّ وساوس الشيطان، و إن لم ترموا هذا الشيطان و تبعدوه عنكم فلن تنتصروا أبدا.
و إن كنتم تنتظرون أن يشملكم اللّه بلطفه و رحمته، كما شمل إبراهيم بذلك
[١]- ممّا يوسف له أنّ مراسم ذبح الأضاحي في عصرنا الحالي لا تتمّ بالشكل المطلوب، و لذا على علماء الإسلام أن يبذلوا الجهد لإنقاذ هذه المراسم العظيمة، و بهذا الشأن و بخصوص فلسفة الحجّ أوردنا بحوثا مفصّلة في ذيل الآية (٣٨) من سورة الحجّ.