الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٦ - تكبّر الشيطان و طرده من رحمة اللّه!
و من دون أي شكّ فإنّه لا أحد يستطيع أن يدّعي أنّ قدرته و منزلته أكبر من أن يسجد للّه (أو لآدم بأمر من اللّه) و بهذا فإنّ الاحتمال الوحيد المتبقّي هو الثاني، أي التكبّر.
و قال بعض المفسّرين: إنّ كلمة (عالين) تعني- هنا- الأشخاص الذين يسيرون دوما في طريق الغرور و التكبّر، و طبقا لهذا فإنّ معنى الآية يكون: هل أنّك استكبرت الآن، أم كنت دائما هكذا؟! و لكن المعنى الأوّل أنسب.
إلّا أنّ إبليس اختار- بكلّ تعجّب- الشقّ الثاني، و كان يعتقد بأنّه أعلى من أن يؤمر بذلك، لذلك قال- بكلّ وقاحة- أثناء تبيانه أسباب معارضته لأوامر البارئ عزّ و جلّ: قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ.
و علّل إبليس عدم سجوده لآدم و عصيانه أمر اللّه بالمقدّمات التالية:
أوّلا: إنّني خلقت من نار، أمّا هو فقد خلق من طين، و هذه حقيقة صرّح بها القرآن المجيد في الآيتين ١٤ و ١٥ من سورة الرحمن: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَ خَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ.
ثانيا: إنّ الشيء المخلوق من النار أفضل من الشيء المخلوق من التراب، لأنّ النار أشرف من التراب.
ثالثا: لا يحقّ لأحد أن يأمر مخلوقا بالسجود لمخلوق آخر دنى منه.
و خطأ إبليس يكمن في المقدّمتين الأخيرتين، و ذلك من عدّة وجوه:
أوّلا: لأنّ آدم لم يكن ترابا فقط، و إنّما نفخت فيه الروح الإلهية، و هذا هو سبب عظمته، و إلّا فأين التراب من كلّ هذا الفخر و الاستعداد و التكامل؟
ثانيا: التراب ليس بأدنى من النار، و إنّما هو أفضل منها بكثير، لأنّ كلّ الحياة أصلها من التراب، فالنباتات و كلّ الموجودات الحيّة بأجمعها تستمدّ غذاءها و مصدر حياتها من التراب، و كلّ المعادن الثمينة مخفية في وسط التراب، خلاصة