الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٨ - حياة أيّوب المليئة بالحوادث و العبر
به لمعصية ارتكبها) فأجاب عليه السّلام
بقوله: «لنعمة أنعم اللّه عزّ و جلّ عليه بها في الدنيا و أدّى شكرها، و كان في ذلك الزمان لا يحجب إبليس دون العرش، فلمّا صعد و رأى شكر نعمة أيّوب عليه السّلام حسده إبليس، فقال: يا ربّ، إنّ أيّوب لم يؤدّ إليك شكر هذه النعمة إلّا بما أعطيته من الدنيا، و لو حرمته دنياه ما أدّى إليه شكر نعمة أبدا، فسلّطني على دنياه حتّى تعلم أنّه لم يؤدّ إليك شكر نعمة أبدا».
(و لكي يوضّح البارئ عزّ و جلّ إخلاص أيّوب للجميع، و يجعله نموذجا حيّا للعالمين حتّى يشكروه حين النعمة و يصبروا حين البلاء، سمح الباري عزّ و جلّ للشيطان في أن يتسلّط على دنيا أيّوب).
«فقال له الباري عزّ و جلّ: قد سلّطتك على ماله و ولده، قال: فانحدر إبليس فلم يبق له مالا و لا ولدا إلّا أعطبه (أي أهلكه) فازداد أيّوب للّه شكرا و حمدا. قال:
فسلّطني على زرعه يا ربّ، قال: قد فعلت، فجاء مع شياطينه فنفخ فيه فاحترق، فازداد أيّوب للّه شكرا و حمدا، فقال: يا ربّ سلّطني على غنمه، فسلّطه على غنمه فأهلكها، فازداد أيّوب للّه شكرا و حمدا، فقال: يا ربّ سلّطني على بدنه فسلّطه على بدنه ما خلا عقله و عينيه، فنفخ فيه إبليس فصار قرحة واحدة من قرنه إلى قدمه، فبقي في ذلك دهرا طويلا يحمد اللّه و يشكره».
(و لكن وقعت حادثة كسرت قلبه و جرحت روحه جرحا عميقا، و ذلك عند ما زارته مجموعة من رهبان بني إسرائيل).
«و قالوا له: يا أيّوب لو أخبرتنا بذنبك لعلّ اللّه كان يهلكنا إذا سألناه، و ما نرى ابتلاك بهذا الابتلاء الذي لم يبتل به أحد إلّا من أمر كنت تستره؟ فقال أيّوب عليه السّلام:
و عزّة ربّي لم أرتكب أي ذنب، و ما أكلت طعاما إلّا و يتيم أو ضعيف يأكل معي» [١].
[١]- هذه الرواية وردت في تفسير نور الثقلين نقلا عن تفسير علي بن إبراهيم، و نفس المضمون ورد في (تفسير القرطبي) و (الفخر الرازي) و (الصافي) و غيرها مع اختلاف بسيط.