الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٥ - المجاهدون الذين حملوا أرواحهم على الأكف!
التّفسير
المجاهدون الذين حملوا أرواحهم على الأكف!
تشير هذه الآيات إلى جانب آخر من جهاد الرسل الذي وردت الإشارة إليه في هذه القصّة. و الإشارة تتعلّق بالدفاع المدروس للمؤمنين القلائل و بشجاعتهم في قبال الأكثرية الكافرة المشركة .. و كيف وقفوا حتّى الرمق الأخير متصدّين للدفاع عن الرسل.
تشرع هذه الآيات بالقول: وَ جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ.
هذا الرجل الذي يذكر أغلب المفسّرين أنّ اسمه «حبيب النجّار» هو من الأشخاص الذين قيّض لهم الاستماع إلى هؤلاء الرسل و الإيمان و أدركوا بحقّانية دعوتهم و دقّة تعليماتهم، و كان مؤمنا ثابت القدم في إيمانه، و حينما بلغه بأنّ مركز المدينة مضطرب و يحتمل أن يقوم الناس بقتل هؤلاء الأنبياء، أسرع- كما يستشفّ من كلمة يسعى- و أوصل نفسه إلى مركز المدينة و دافع عن الحقّ بما استطاع. بل إنّه لم يدّخر وسعا في ذلك.
التعبير ب «رجل» بصورة النكرة يحتمل انّه إشارة إلى أنّه كان فردا عاديا، ليس له قدرة أو إمكانية متميّزة في المجتمع، و سلك طريقه فردا وحيدا. و كيف أنّه في نفس الوقت دخل المعركة بين الكفر و الإيمان مدافعا عن الحقّ، لكي يأخذ المؤمنين في عصر الرّسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم درسا بأنّهم و إن كانوا قلّة في عصر صدر الإسلام، إلّا أنّ المسؤولية تبقى على عواتقهم، و أنّ السكوت غير جائز حتّى للفرد الواحد.
التعبير ب «أقصى المدينة» يدلّل على أنّ دعوة هؤلاء الأنبياء وصلت إلى النقاط البعيدة من المدينة، و أثّرت على القلوب المهيّأة للإيمان، ناهيك عن أنّ أطراف المدن عادة تكون مراكز للمستضعفين المستعدين أكثر من غيرهم لقبول