الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٧ - ١- الإعتقاد بالمعاد أمر فطري
إنّ السعي لإبقاء أجسام الموتى عن طريق التحنيط، و بناء المقابر الخالدة كأهرام مصر، و الجري وراء ما يسمّى بماء الحياة و دواء الشباب و ما يطيل العمر، كلّ ذلك دليل على عشق الإنسان لمفهوم البقاء.
فإذا كنّا قد خلقنا للفناء فما معنى حبّ البقاء سوى أنّها علاقة شاغلة بلا جدوى و لا فائدة.
لا تنسوا أنّنا نتابع البحث في مسألة المعاد بعد الاتّفاق على الإعتقاد بوجود اللّه الحكيم العالم، و نحن نعتقد بأنّ كلّ ما خلقه اللّه سبحانه و تعالى في وجودنا إنّما هو وفقا لحساب و غرض، و بناء عليه فإنّ عشق البقاء لا بدّ أن يكون له حساب خاصّ، منسجم مع الخلق و العالم بعد الدنيا.
و بتعبير آخر: فلو أنّ نظام الخلق أوجد فينا عطشا. فإنّ ذلك دليل على أنّ للماء وجودا في العالم الخارجي، كذلك فإنّ وجود الغريزة الجنسية و الميل إلى الجنس الآخر يدلّل على وجود الجنس الآخر في العالم الخارجي، و إلّا فإنّ الانجذاب بدون أن يكون له مدلول و موضوع خارجي لا يتّفق مع حكمة الخلق.
و من جهة اخرى فعند ما نبحث في التأريخ البشري منذ أيّام نشأة ذلك التأريخ فإنّنا نجد دلائل كثيرة على الإعتقاد الراسخ لدى الإنسان بالحياة بعد الموت.
فالآثار التي وصلت إلينا من البشر الغابرين- و حتّى إنسان ما قبل التأريخ- و بالأخصّ طريقة دفن الموتى، و كيفية بناء القبور، و حتّى دفن الأشياء المختلفة مع الموتى، كلّها دليل على ما ترسّخ في وجدانهم من الإعتقاد بالحياة بعد الموت.
«صاموئيل كنيك» أحد علماء النفس المعروفين يقول: «إنّ التحقيقات الدقيقة تشير إلى أنّ المجموعات البشرية الاولى على سطح الأرض، كانت لهم اعتقادات معيّنة، لأنّهم كانوا يلحدون موتاهم بطريقة معيّنة في الأرض، و يضعون معهم وسائل و آلات أعمالهم التي كانوا يمارسونها قبل الموت إلى جانبهم، و بهذه