الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٨ - مقتطفات من قصّة نوح
هذا الدعاء يمكن أن يكون إشارة إلى الدعاء الذي ورد في سورة نوح وَ قالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً. [١] أو إشارة إلى الدعاء الذي دعا به اللّه أثناء صعوده السفينة رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ. [٢] أو أنّه إشارة إلى الدعاء الذي جاء في الآية ١٠ من سورة القمر: فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ.
و بالطبع فإنّه ليس هناك أي مانع من أن تكون الآية تشير إلى كلّ هذه الأدعية، و إنّ اللّه سبحانه و تعالى استجابها بأحسن وجه.
و لذا فإنّ اللّه سبحانه و تعالى يجيبه في الآية التي تليها بالقول: وَ نَجَّيْناهُ وَ أَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [٣].
فما هو هذا الغمّ الذي وصفته الآية المباركة بأنّه غمّ كبير آلم نوحا بشدّة؟
يمكن أن يكون ذلك الغمّ نتيجة استهزاء قومه الكافرين المغرورين به، و تجريحهم إيّاه بكلمات نابية و ساخرة تستهدف إهانته و أتباعه المؤمنين، أو نتيجة تكذيب قومه اللجوجين إيّاه، إذ كانوا يقولون له أحيانا: وَ ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا. [٤] و أحيانا اخرى يقولون له: يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. [٥]
[١]- سورة نوح، الآيات ٢٦ و ٢٧.
[٢]- سورة المؤمنون، الآية ٢٩.
[٣]- (كرب) طبق قول الراغب في مفرداته هي: الغم الشديد، و وصفه هنا بالعظيم للتأكيد أكثر على هذا المعنى.
[٤]- سورة هود، الآية ٢٧.
[٥]- سورة هود، الآية ٣٢.