الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١١ - ١- هل يستشفّ البخل من طلب سليمان عليه السّلام
تسخير الموجودات المتمردة و وضعها تحت تصرّف سليمان لتنجز له بعض الأعمال التي يحتاجها وَ الشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَ غَوَّاصٍ [١].
أي إنّ مجموعة منها منشغلة في البرّ ببناء ما يحتاج إليه سليمان من أبنية، و اخرى منشغلة بالغوص في البحر.
و بهذا الشكل فإنّ اللّه وضع تحت تصرّف سليمان قوّة مستعدّة لتنفيذ ما يحتاج إليه، فالشياطين- التي من طبيعتها التمرّد و العصيان- سخّرت لسليمان لتبني له، و لتستخرج المواد الثمينة من البحر.
و مسألة تسخير الشياطين لسليمان و تنفيذها لما يحتاج إليه، لم ترد في هذه الآية فقط، و إنّما وردت في عدّة آيات من آيات القرآن المجيد، و لكن في بعض الآيات- كالآية التي هي مورد بحثنا و الآية (٨٢) من سورة الأنبياء استخدمت كلمة (الشياطين) فيها، فيما استخدمت كلمة (الجنّ) في الآية (١٢) من سورة سبأ.
و كما قلنا سابقا فإنّ (الجنّ) موجودات مخفية عن أنظارنا، و لها عقول و شعور و قدرة، و بعضها مؤمن و بعضها الآخر كافر، و لا يوجد هناك أي مانع من أن توضع- بأمر من اللّه- تحت تصرّف بعض الأنبياء، لتنجز له بعض الأعمال.
و هناك احتمال وارد أيضا، و هو أنّ كلمة الشياطين لها معنى واسع قد يشمل حتّى العصاة من البشر، و قد استخدم هذا المعنى في الآية (١١٢) من سورة الأنعام، و بهذا الترتيب فإنّ اللّه سبحانه و تعالى منح سليمان قوّة جعلت حتّى المتمردّين العصاة ينصاعون لأوامره.
٣- النعمة الاخرى التي أنعمها الباري عزّ و جلّ على سليمان، هي سيطرته على مجموعة من القوى التخريبيّة، لأنّ هناك من بين الشياطين من لا فائدة فيه، و لا سبيل أمام سليمان سوى تكبيلهم بالسلاسل، كي يبقى المجتمع في أمان من
[١]- (الشياطين) معطوفة على (الريح) و التي هي مفعول (سخّرنا)، و (كلّ بنّاء و غوّاص) بدل من الشياطين.