الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٥ - حركة السفن في البحار آية إلهيّة
لذا فإنّ الآيات الكريمة تقول أوّلا: وَ آيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ.
الضمير «لهم» لا يعود فقط على مشركي مكّة، بل على جميع العباد الذين أشارت لهم الآيات السابقة.
«ذرّية»: كما يقول الراغب في مفرداته، أصلها الصغار من الأولاد، و إن كان يقع على الصغار و الكبار معا عرفا، و يستعمل للواحد و الجمع.
و ما تذكره الآية من حمل ذريّاتهم و ليس هم ربّما لأنّ الأولاد هم أكثر حاجة لركوب مثل ذلك المركب السريع، بلحاظ أنّ الكبار أكثر استعدادا للسير على سواحل البحار و طي الطريق من هناك!! فضلا عن أنّ هذا التعبير أنسب لتحريك عواطفهم.
«مشحون» أي مملوء، إشارة إلى أنّ السفن لا تحملهم هم فقط، بل أموالهم و تجارتهم و أمتعتهم و ما أهمّهم أيضا.
و ما قاله البعض من أن «الفلك» إشارة إلى سفينة نوح، و «ذريّة» بمعنى الآباء من مادّة «ذرأ» بمعنى خلق، فيبدو بعيدا، إلّا إذا كان من قبيل ذكر المصداق البارز.
ى كلّ حال فإنّ حركة السفن و البواخر التي هي من أهمّ و أضخم وسائل الحمل و النقل البشري، و ما يمكنها إنجازه يعادل آلاف الأضعاف لما تستطيعه المركّبات الاخرى، كلّ ذلك ناجم عن خصائص الماء و وزن الأجسام التي تصنع منها السفن، و الطاقة التي تحرّكها، سواء كانت الريح أو البخار أو الطاقة النووية.
و كلّ هذه القوى و الطاقات التي سخّرها اللّه للإنسان، كلّ واحدة منها و كلّها معا آية من آيات اللّه سبحانه و تعالى.
و لكي لا يتوهّم أنّ المركّب الذي أعطاه اللّه للإنسان هو السفينة فقط، تضيف الآية التالية قائلة: وَ خَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ.
المراكب التي تسير على الأرض، أو في الهواء و تحمّل البشر و أثقالهم.