الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٢ - التّفسير
في البدء تأخذ بيد الإنسان و تشير له إلى بدء حياته في ذلك اليوم حيث كان نطفة مهينة لا غير و تدعوه إلى التأمّل و التفكّر، فتقول: أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [١]. يا له من تعبير حيوي؟ فالآية تؤكّد أوّلا على مخاطبة الإنسان، أيّا كان و أيّ إعتقاد كان يعتقد، و على أيّ مستوى كان من العلم، فهو يستطيع إدراك هذه الحقيقة.
ثمّ تتحدّث عن «النطفة» و التي هي لغويا بمعنى «الماء المهين» لكي يعلم هذا الإنسان المغرور المتكبّر- بقليل من التأمّل- ماذا كان في البدء؟ كما أنّ هذا الماء المهين لم يكن هو السبب في نشوئه و ظهوره، بل خليّة حيّة متناهية في الصغر، لا ترى بالعين المجرّدة، من ضمن آلاف بل ملايين الخلايا الاخرى التي كانت تسبح في ذلك الماء المهين، و باتّحادها مع خلية صغيرة اخرى مستقرّة في رحم المرأة تكوّنت الخليّة البشرية الاولى، و دخل الإنسان إلى عالم الوجود! و تتواصل مراحل التكامل الجنيني الواحدة بعد الأخرى و التي هي ستّة مراحل كما نقلها القرآن الكريم في بداية سورة «المؤمنون» (النطفة، العلقة، المضغة، العظام، اكتساء العظام باللحم، و تمثّل الخلق السوي). ثمّ إنّ الإنسان بعد الولادة كائن ضعيف جدّا، لا يملك القدرة على شيء، ثمّ يقطع مراحل نموّه بسرعة حتّى بلوغ الرشد الجسماني و العقلي.
نعم، فهذا الموجود الضعيف العاجز، يصبح قويّا إلى درجة أن يجيز لنفسه النهوض لمحاربة الدعوات الإلهيّة، و ينسى ماضيه و مستقبله، ليكون مصداقا حيّا لقوله تعالى: فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. و اللطيف أنّ هذا التعبير يتضمّن جنبتين، إحداهما تمثّل جانب القوّة، و الاخرى جانب الضعف، و يظهر أنّ القرآن الكريم أشار إليهما جميعا.
إنّ هذا العمل لا يكون إلّا من إنسان يملك عقلا و فكرا و شعورا و استقلالا
[١]- «خصيم» بمعنى المصرّ على الخصومة و الجدال، و (الرؤية) بمعنى (العلم).