الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٦ - المجاهدون الذين حملوا أرواحهم على الأكف!
الحقّ و التصديق به، على عكس ساكني مراكز المدن الذين يعيشون حياة مرفّهة تجعل من الصعب قبولهم لدعوة الحقّ.
التعبير ب «يا قوم» يوضّح حرقة هذا الرجل و تألمّه على أهل مدينته، و دعوته إيّاهم إلى اتّباع الرسل، تلك الدعوة التي لم تكن لتحقّق له أي نفع شخصي.
و الآن لننظر إلى هذا الرجل المجاهد، بأي منطق و بأي دليل خاطب أهل مدينته؟
فقد أشار أوّلا إلى هذه القضيّة اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً. فتلك القضيّة بحدّ ذاتها الدليل الأوّل على صدق هؤلاء الرسل، فهم لا يكسبون من دعوتهم تلك أيّة منفعة ماديّة شخصية، و لا يريدون منكم مالا و لا جاها و لا مقاما، و حتّى أنّهم لا يريدون منكم أن تشكروهم. و الخلاصة: لا يريدون منكم أجرا و لا أي شيء آخر.
و هذا ما أكّدت عليه الآيات القرآنية مرارا فيما يخصّ الأنبياء العظام، كدليل على إخلاصهم و صفاء قلوبهم، و في سورة الشعراء وحدها تكرّرت هذه الجملة خمس مرّات وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [١].
ثمّ يضيف: إنّ هؤلاء الرسل كما يظهر من محتوى دعوتهم و كلامهم انّهم أشخاص مهتدون: وَ هُمْ مُهْتَدُونَ إشارة إلى أنّ عدم الاستجابة لدعوة ما إنّما يكون لأحد سببين: إمّا لأنّ تلك الدعوة باطلة و تؤدّي إلى الضلال و الضياع، أو لأنّها حقّ و لكن الدعاة لها يكتسبون من تلك الدعوة منافع شخصية لهم ممّا يؤدّي إلى تشويه النظرة إلى تلك الدعوة، و لكن حينما لا يكون هذا و لا ذاك فما معنى التردّد و التباطؤ عن الاستجابة.
ثمّ ينتقل إلى ذكر دليل آخر على التوحيد الذي يعتبر عماد دعوة هؤلاء الرسل، فيقول: وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي.
فإنّ من هو أهل لأن يعبد هو الخالق و المالك و الوهّاب، و ليس الأصنام التي لا
[١]- الآيات: ١٠٩- ١٢٧- ١٤٥- ١٦٤- ١٨٠.