الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٣ - استكبارهم و مكرهم سبب شقائهم
و لكن بمجرّد أن واجهوا محكّ التجربة، و دخلوا كورة الامتحان المشتعلة، و تحقّق طلبهم ببعثة نبيّ منهم، تبيّن أنّهم من نفس تلك الطينة، حيث أشار القرآن إلى ذلك بعد تلك الجملة الاولى من الآية بالقول: فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً.
هذا التعبير يدلّل على أنّهم كانوا قبل بعثة النّبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- و على خلاف ما يدّعون- بعيدين عن دين اللّه سبحانه و تعالى، فقد كانت حنيفية إبراهيم معروفة بينهم، إلّا أنّهم لم يكونوا يحترمونها، كذلك لم يكن لديهم أي اعتبار لما كان يمليه العقل من تصرفات. و بقيام النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و نيله من عقائدهم و أعرافهم و عصبيتهم الجاهلية، و وقوع مصالحهم غير المشروعة في الخطر، زادت الفاصلة بينهم و بين الحقّ، نعم كانوا بعيدين عن الحقّ، لكنّهم ازدادوا بعدا عن الحقّ بعد بعثة النّبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
الآية التالية توضيح لما في الآية السابقة، تقول: إنّ بعدهم عن الحقّ لأنّهم سلكوا طريق الاستكبار في الأرض، و لم تكن لديهم أهلية الخضوع لمنطق الحقّ اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ [١] و كذلك لأنّهم كانوا يحتالون و يسيئون وَ مَكْرَ السَّيِّئِ [٢].
و لكن وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ.
جملة «لا يحيق»: الفعل (يحيق) من (حاق) بمعنى نزل و أصاب، و الجملة معناها «لا ينزل و لا يصيب و لا يحيط» إشارة إلى أنّ الاحتيال قد يؤدّي- مؤقتا-
[١]- أغلب المفسّرين قالوا بأنّ «استكبارا» هو «مفعول لأجله» من حيث التركيب النحوي و هي بيان لعلّة «النفور» و ابتعادهم عن الحقّ، و «مكر السيء» عطف على «استكبارا» في حين أنّ البعض الآخر قال: إنّها عطف على «نفورا».
[٢]- «مكر السيئ» إضافة (للجنس) إلى (النوع)، كما هو نقول: «علم الفقه» لأنّ (مكر) بمعنى (البحث عن حلّ) سواء كان خيرا أو شرّا، لذا فإنّ هذه الكلمة تطلق كصفة للّه سبحانه وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ آل عمران- ٥٤، و لكن «السيء» تحصر المكر في نوع خاصّ منه، و هو الاحتيال.