الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٥ - استكبارهم و مكرهم سبب شقائهم
و قد أكّد القرآن الكريم في مواضع عديدة على قضيّة ثبات سنن اللّه و عدم تغيّرها، و قد فصّلنا الحديث في ذلك في تفسير الآية (٦٢) من سورة الأحزاب، و بالجملة فإنّ في هذا العالم- عالم التكوين التشريع- ثمّة قوانين ثابتة لا تتغيّر، عبّر عنها القرآن الكريم «السنن الإلهيّة» و التي لا سبيل إلى تغيّرها.
هذه القوانين كما أنّها حكمت في الماضي فإنّها حاكمة اليوم و غدا. و مجازات المستكبرين الكفرة الذين لم تنفع بهم الموعظة الإلهية من هذه السنن، و منها أيضا نصرة أتباع الحقّ الذين لا ينثنون عن جدّهم و سعيهم المخلص، هاتان السنّتان كانتا و لا تزالان ثابتتين أمس و اليوم و غدا [١].
الجدير بالملاحظة أنّه ورد في بعض الآيات القرآنية الحديث عن «عدم تبديل» السنن الإلهيّة، الأحزاب- ٦٢، و في البعض الآخر الحديث عن «عدم تحويل» السنن الإلهيّة، سورة الإسراء- ٧٧، و لكن الآية مورد البحث أكّدت على الحالتين معا.
فهل أنّ هاتين الحالتين تعبير عن معنى واحد، بحيث أنّهما ذكرتا معا للتأكيد، أم أنّ كلا منهما يشير إلى معنى مستقل؟
بمراجعة أصل اللفظين يتّضح أنّهما إشارة إلى معنيين مختلفين: (تبديل) الشيء، تعويضه بغيره كاملا، بحيث يرفع الأوّل و يوضع الثاني، و لكن (تحويل) الشيء، هو تغيّر بعض صفات الشيء الأوّل من ناحية كيفية أو كمية مع بقائه.
و عليه فإنّ السنن الإلهية لا تقبل الاستبدال و لا التعويض الكامل، و لا التغيير النسبي من حيث الشدّة و الضعف أو القلّة و الزيادة. من جملتها أنّ اللّه سبحانه و تعالى يوقع عقوبات متشابهة بالنسبة إلى الذنوب و الجرائم المتشابهة و من جميع الجهات، لا أن يوقع العقاب على مجموعة و لا يوقعه على مجموعة اخرى. و لا أن يوقع عقابا أقلّ شدّة على مجموعة دون اخرى، و هكذا قانون يستند إلى أصل
[١]- لنا شرحا مفصّل بهذا الخصوص في سورتي الأحزاب و الإسراء.