الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٧ - جوانب من النعم لأهل الجنّة
و متلألئة و تعطي لذّة للشاربين بها بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ.
و كلمة (بيضاء) اعتبرها بعض المفسّرين صفة لكؤوس الشراب، فيما اعتبرها البعض الآخر صفة للشراب الطهور، و يعني أنّ ذلك الشراب ليس كالأشربة الملوّنة في الدنيا، بل إنّها أشربة طاهرة، خالية من الألوان الشيطانية، و بيضاء اللون شفّافة.
و بالطبع فإنّ المعنى الثاني أنسب لجملة لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ.
الآية السابقة التي تطرّقت إلى الشراب و الكؤوس ربّما تجلب إلى الأذهان مفاهيم اخرى، أمّا الآية التي تليها فتطرد في جملة قصيرة كافّة تلك المفاهيم عن الأذهان لا فِيها غَوْلٌ وَ لا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ.
أي أنّ ذلك الخمر هو شراب طاهر لا يفسد العقل، و لا يؤدّي إلى السكر و الغفلة، و إنّما يؤدّي إلى اليقظة و النشاط و فيه متعة للروح.
و كلمة (غول) على وزن (قول) تعني الفساد الذي ينفذ إلى الشيء بصورة غير محسوسة، و لهذا يقال في الأدب العربي لعمليات القتل التي تتمّ بصورة سريّة أو خفية بأنّه (قتل غيلة).
و كلمة (ينزفون) من مادّة (نزف) على وزن (حذف) و تعني فقدان الشيء تدريجيّا، و عند ما تستخدم هذه الكلمة بشأن آبار المياه، فإنّها تعطي معنى استخراج الماء من البئر تدريجيّا حتّى ينضب، و يقال «نزيف الدم» و هو خروج الدم من الجسد تدريجيّا حتّى ينتهي تماما.
على أيّة حال، فإنّ المقصود في هذه الآية ذهاب العقل تدريجيّا و الوصول إلى حالة السكرة، أمّا خمر الجنّة الطاهر فإنّه لا يسكر على الإطلاق، إذ لا يذهب بالعقل و لا يسبّب أي مضارّ.
هاتان العبارتان تتطرّقان في آن واحد- بصورة ضمنية و دقيقة- إلى الشراب في عالم الدنيا و الذي ينفذ إلى حياة الإنسان بصورة تدريجية و سرية، و يوجد عنده حالات الفساد و الضياع، حيث أنّها لا تؤدّي بعقل الإنسان و أعصابه إلى