الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٥ - صيحة النشور!
أمّا فيم كانوا يختصمون؟ لم تذكر الآية ذلك، و لكن من الواضح أنّ المقصود هو التخاصم على أمر الدنيا و الأمور المعيشية الاخرى، و لكن البعض يرى: إنّه تخاصم في أمر «المعاد»، و المعنى الأوّل أنسب على ما يبدو، و إن كان اعتبار شمول الآية لكلا المعنيين، و أي نوع من النزاع و الخصومة ليس ببعيد.
و من الجدير بالملاحظة أنّ الضمائر المتعدّدة في الآية جميعها تعود على مشركي مكّة الذين كانوا يشكّكون في أمر المعاد، و يستهزئون بذلك بقولهم: متى تقوم الساعة؟
و لكن المسلّم به أنّ الآية لا تقصد أشخاص هؤلاء، بل نوعهم «نوع البشر الغافلين عن أمر المعاد» لأنّهم ماتوا و لم يسمعوا تلك الصيحة السماوية أبدا «تأمّل بدقّة»!! على كلّ حال، فإنّ القرآن بهذا التعبير القصير و الحازم إنّما أراد تنبيههم إلى أنّ القيامة ستأتي و بشكل غير متوقّع، و هذا أوّلا. و أمّا ثانيا فإنّ قيام الساعة ليس بالموضوع المعقّد بحيث يختصمون و يتنازعون فيه، فبمجرّد صيحة واحدة ينتهي كلّ شيء و تنتهي الدنيا بأسرها.
لذا فهو تعالى يضيف في الآية التالية قائلا: فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ.
في العادة فإنّ الإنسان حينما تلم به حادثة و يحسّ بعدها بقرب أجله، يحاول جاهدا أن يوصل نفسه إلى أهله و منزله و يستقرّ بين عياله، ثمّ يقوم بإنجاز بعض الأمور المعلّقة، و يعهد بأبنائه أو متعلّقيه إلى من يثق به عن طريق الوصيّة أو غير ذلك. و يوصي بإنجاز بعض الأمور الاخرى.
و لكن هل تترك الصيحة السماوية فرصة لأحد؟ و لو سنحت الفرصة فرضا فهل بقي أحد حيّا ليستمع الوصيّة؟ أو يجتمع الأولاد مع امّهم على سرير الأب- مثلا- و يحتضنونه و يحتضنهم لكي يسلم الروح بطمأنينة؟ لا أبدا، فلا إمكان لأي من هذه