الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١ - ١- استقلال آيات القرآن الكريم و تفسيرها المنحرف
إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ و على هذا الأساس اتّخذ الوهّابيون هذه الآية ذريعة لهم للادّعاء بأنّ كلّ شيء ما خلا اللّه جلّ و علا- و إن كان نبيّا- لا يسمع دعاء، و إن سمع فلا يجيب! كما رفضوا أي نوع من التوسّل بأرواح الأنبياء و الأئمّة و الأولياء. و اعتبروا ذلك مخالفا للتوحيد محتجّين بقوله تعالى: وَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَ لا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ.
و لو أمعنا النظر في الآيات السابقة و اللاحقة لهذه الآية للاحظنا أنّ المقصود من قوله: مِنْ دُونِهِ هي الأصنام لا غير، و ذلك يصدق على مجموعة الأحجار و الأخشاب و غيرها و التي كانت في نظر مشركي الجاهلية بأنّها ذات قدرة إزاء قدرة الخالق الكريم جلّ و علا، كما أنّ الأنبياء و الأولياء و حتّى الشهداء في سبيل اللّه أحياء في البرزخ، و حياة البرزخ- كما هو معلوم- مجرّدة من الحجب المادية و متعلّقات الدنيا ممّا يجعلها أوسع منها. يضاف إلى ذلك فإنّ التوسّل بالأرواح الطاهرة للأنبياء و الأئمّة عليهم السّلام لا يعني إقرارنا لهم بالاستقلالية إزاء الخالق الكريم، بل إنّنا إنّما نطلب العون و المدد من مقامهم و جاههم في حضرة البارئ العزيز، و هذا هو عين التوحيد (تأمّلوا جيدا).
و قد صرّح القرآن الكريم بأنّ الشفيع إنّما يشفع بإذن اللّه تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ فمن يستطيع إنكار مثل هذه الآيات الصريحة غير الجهلة المغرورين الذين هتفوا بمثل هذه الادّعاءات لزرع الفرقة بين المسلمين؟! و في كثير من الحالات نقرأ في سيرة الصحابة أنّهم حينما تحيق بهم المشكلات يأتون إلى قبر الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و يتوسّلون إليه، و يطلبون العون من اللّه عزّ و جلّ بشفاعة روحه الطاهرة.
مثالنا على ذلك ما ذكره «البيهقي» من محدّثي العامّة، قال: في زمن الخليفة الثّاني مرّ في الناس قحط و جدب، ممّا حدا ببلال و عدد من الصحابة إلى الذهاب لقبر رسول اللّه و قالوا عنده: «يا رسول اللّه، استق لامّتك ... فإنّهم قد هلكوا» [١].
كما نقل «الآلوسي» في (روح المعاني) الكثير من الأحاديث في هذا الصدد، و بعد المناقشة لهذه الأحاديث يخرج بالقول: إنّني لا أرى مانعا من التضرّع للّه
[١]- من كتاب (التوصّل إلى حقيقة التوسّل).