الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٢ - و اضرب لهم مثلا أصحاب القرية
فكما نقل بعض المفسّرين فقد توقّف نزول المطر عليهم لملمدّة [١]، و لكنّهم لم يعتبروا من ذلك، بل إنّهم اعتبروا تلك الحوادث مرتبطة ببعثة هؤلاء الرسل. و لم يكتفوا بذلك، بل إنّهم أظهروا سوء نواياهم من خلال التهديد الصريح و العلني، و قالوا:
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ.
هل أنّ «العذاب الأليم» هو تأكيد على مسألة الرجم، أو زيادة المجازاة أكثر من الرجم وحده؟
يوجد احتمالان، و لكن يبدو أنّ الاحتمال الثاني هو الأقرب، لأنّ الرجم من أسوأ أنواع العذاب الذي قد ينتهي أحيانا بالموت، و من الممكن أن ذكر العذاب الأليم إشارة إلى أنّنا سنرجمكم إلى حدّ الموت، أو أنّه علاوة على الرجم فإنّنا سنمارس معكم أنواعا اخرى من التعذيب التي كانت تستعمل قديما كإدخال الأسياخ المحمّاة في العيون أو صبّ الفلز المذاب في الفمّ و أمثالها.
بعض المفسّرين احتملوا أيضا أنّ (الرجم) هو تعذيب جسماني أمّا «العذاب الأليم» فهو عذاب معنوي روحي [٢]. و لكن الظاهر أنّ التّفسير الأوّل هو الأقرب.
أجل، فلأنّ أتباع الباطل و حماة الظلم و الفساد لا يملكون منطقا يمكنهم من المنازلة في الحوار، فإنّهم يستندون دائما إلى التهديد و الضغط و العنف، غافلين عن أنّ سالكي طريق اللّه لن يستسلموا أمام أمثال هذه التهديدات، بل سيزيدون من استقامتهم على الطريق، فمنذ اليوم الأوّل الذي سلكت فيها أقدامهم طريق الدعوة إلى اللّه وضعوا أرواحهم على الأكف، و استعدوا لأي نوع من الفداء و التضحية.
هنا ردّ الرسل الإلهيون بمنطقهم العالي على هذيان هؤلاء: قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ.
[١]- تفسير القرطبي، ذيل الآيات محلّ البحث.
[٢]- و ذلك في حال كون «لنرجمنّكم» من مادّة «رجم» بمعنى السبّ و الاتّهام و القذف.