الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥١ - و اضرب لهم مثلا أصحاب القرية
اللّه الذي شملت رحمته العالم بأسره لا بدّ أن يبعث الأنبياء و الرسل لتربية النفوس و الدعوة إلى الرشد و التكامل البشري.
كذلك يحتمل أيضا أن يكونوا قد أكّدوا على وصف الرحمانية للّه ليقولوا بذلك أنّ اللّه الرحمن العطوف لا يثير المشاكل لعباده بإرسال الرسل و الأنبياء، بل إنّه يتركهم و شأنهم! و هذا المنطق الخاوي المتهاوي يتناسب مع مستوى تفكير هذه الفئة الضالّة.
على كلّ حال، فإنّ هؤلاء الأنبياء لم ييأسوا جرّاء مخالفة هؤلاء القوم الضالّين و لم يضعفوا، و في جوابهم قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ و مسئوليتنا إبلاغ الرسالة الإلهية بشكل واضح و بيّن فحسب.
وَ ما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ.
من المسلّم به أنّهم لم يكتفوا بمجرّد الادّعاء، أو القسم بأنّهم من قبل اللّه، بل إنّ ممّا يستفاد من تعبير «البلاغ المبين» إجمالا أنّهم أظهروا دلائل و معاجز تشير إلى صدق ادّعائهم، و إلّا فلا مصداقية (للبلاغ المبين)، إذ أنّ البلاغ المبين يجب أن يكون بطريقة تجعل من الميسّر للجميع أن يدركوا مراده، و ذلك لا يمكن تحقّقه إلّا من خلال بعض الدلائل و المعجزات الواضحة.
و قد ورد في بعض الرّوايات أيضا أنّ هؤلاء الرسل كانت لهم القدرة على شفاء بعض المرضى المستعصي علاجهم- بإذن اللّه- كما كان لعيسى عليه السّلام.
و لكن الوثنيين لم يسلموا أمام ذلك المنطق الواضح و تلك المعجزات، بل إنّهم زادوا من عنفهم في المواجهة، و انتقلوا من مرحلة التكذيب إلى مرحلة التهديد و التعامل الشديد قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ [١].
و يحتمل حدوث بعض الوقائع السلبية لهؤلاء القوم في نفس الفترة التي بعث فيها هؤلاء الأنبياء، و كانت إمّا نتيجة معاصي هؤلاء القوم، أو كإنذارات إلهية لهم،
[١]- تقدّم الكلام عن «التطيّر» بالتفصيل في تفسير سورة الأعراف، الآية ١٣١، و ذيل الآية ٤٧ من سورة النمل.