الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٩ - و اضرب لهم مثلا أصحاب القرية
و التي تشكّل بمجموعها ثماني عشرة آية، تتحدّث حول تأريخ عدد من الأنبياء السابقين الذين بعثوا لهداية المشركين عبّاد الأوثان الذين سمّاهم القرآن الكريم أَصْحابَ الْقَرْيَةِ و كيف أنّهم نهضوا لمخالفة أولئك الأنبياء، و تكذيبهم، و كانت خاتمتهم أن أخذهم العذاب الأليم، لتكون تنبيها لمشركي مكّة من جهة، و تسلية للرسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و فئة المؤمنين القليلة به في ذلك اليوم. على كلّ حال فإنّ التأكيد على إيراد هذه القصّة في قلب هذه السورة التي تعتبر هي بدورها قلب القرآن الكريم، بسبب تشابه ظروف تلك القصّة مع ظروف المسلمين في ذلك اليوم.
أوّلا تقول الآيات الكريمة: وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ [١].
«القرية» في الأصل اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس، و تطلق أحيانا على نفس الناس أيضا، لذا فمفهومها يتّسع حتّى يشمل المدن و النواحي، و أطلقت في لغة العرب و في القرآن المجيد مرارا على المدن المهمّة مثل «مصر» و «مكّة» و أمثالهما.
لكن ما اسم هذه القرية أو المدينة التي ذكرت في هذه الآية؟
المشهور بين المفسّرين أنّها «أنطاكية» إحدى مدن بلاد الشام. و هي إحدى المدن الرومية المشهورة قديما، كما أنّها ضمن منطقة نفوذ تركيا جغرافيا في الحال الحاضر، و سنتعرض إلى تفصيل الحديث عنها في البحوث الآتية إن شاء اللّه، و على كلّ حال فإنّه يظهر جيدا من آيات هذه السورة الكريمة أنّ أهل تلك المدينة كانوا يعبدون الأصنام، و أنّ هؤلاء الرسل جاؤوا يدعونهم إلى التوحيد و نبذ الشرك.
[١]- يعتقد البعض بأنّ «أصحاب القرية» مفعول أو للفعل «اضرب» و «مثلا» مفعول ثان مقدّم، و البعض يقول: إنّها بدل عن «مثلا»، و لكن الظاهر رجاحة الاحتمال الأوّل.